في الفترة الأخيرة، تعيش الولايات المتحدة على وقع نقاش وطني جديد يحاول كسر"التابو"المفروض على بعض المشكلات المسكوت عنها سابقاً مثل اللوبي الصهيوني و لوبي أرباب صناعة السلاح و النفط. لقد بات في حكم المؤكد الآن أن هنالك تحالفاً فعلياً بين مصالح هاتين الجهتين اللتين يمكننا أن نجمعهما معاً تحت مسمى واحد: التحالف الصهيوني الصناعي العسكري. هذا التحالف هو أكثر من أي شيء آخر، تحالف بنيوي تتزاوج فيه اهتمامات الحرب مع مخططات مستقبل الشرق الأوسط، و حريّ بنا هنا أن نفصل المسألة بشكل أكثر وضوحاً.
ليس غريباً أن تلتقي مصالح المجمع الصناعي العسكري أو تجار الأسلحة و الحروب مع مصالح الراغبين في زعزعة الوضع الدولي الحرج أصلاً، بمعنى أن صُنّاع الحرب و هم في ذات الوقت، المستفيدون من عائدات زيادات الطلب على السلاح، يحتاجون إلى حالة من التشنج الدولي لأجل الحفاظ على تنامٍ قارٍ في ميزانية البنتاغون و بالتالي، حصولهم على الشريحة الأكبر من كعكة الموازنة العامة الفيدرالية، و في وسع أي واحد هنا أن يلحظ مدى مبلغ السخط العام داخل الولايات المتحدة من ثقل هذه 'المصاريف' الإضافية نتيجة للحروب الأخيرة، على كاهل الدخل الوطني الخام و سطوتها على أموال دافعي الضرائب، بلا طائل تقريباً.
لنتذكر أن الوضع خلال عهد الثنائية القطبية أيام الحرب الباردة، كان يكفل لهؤلاء 'الصناعيين' جواً مكهرباً ملائماً جداً لأجل مضاعفة الثروات الخاصة لديهم؛ إذ كان يكفي وقتها تسويق 'الخطر الشيوعي القائم'، حتى لا يفكر أحد في التساؤل عن سر تلك المخصصات الضخمة للتسلح، أما و لقد صار العالم في مأمن من الستالينية، فإن الأثرياء صاروا مجبرين على التفكير في 'إيجاد' بعبع جديد كفيل بإدامة الحالة و تفويت حلم الانتقاص من ميزانية البنتاغون على دعاة ذلك. كان الأمر إذن يتطلب إيجاد مصادر جديدة للخطر على المصالح الأمريكية لأجل تسويغ الحروب الأحادية و ميزانياتها، و لقد حُضّرت قوائم هذه المصادر مباشرة عُقيب انهيار الغول الشرقي، فظهرت مفردات على مسرح السياسة العالمية على شاكلة: الدول المارقة، محور الشر، الإرهاب العالمي، الأصولية الإسلامية و أعداء الديمقراطية وهلم جراًً.
و مثلما هي تخوّفات المستفيدين من صناعة السلاح و تسويق الحروب، من أن السلام العالمي يهدد مصالحهم، يدرك المسيحيون المتصهينون من أنصار 'إسرائيل الكبرى' أن السلام بين الكيان الغاصب و جيرانه العرب، يمثل خطراً حقيقياً على أهدافهم التي يسعون إلى تنفيذها وفقاً لتعاليم 'كتبهم المقدسة': السيطرة على 'أرض الميعاد'، أما سبب الخوف فمرده إلى أن السلام سوف يعني الالتزام بمقررات الأمم المتحدة، و عودة الكيان إلى حدود ما قبل 1967، أو بعبارة أخرى: الانسحاب من الضفة الغربية و قطاع غزة، و لا نتحدث هنا عن باقي الأراضي المحتلة؛ لأنها باتت بفضل، حنكة و عظمة قواد عالمنا الإسلامي، أرضاً إسرائيلية و واقعا لا ينكره إلا من به جِنّة.
و في سبيل تحقيق مطلب التوسع، لا يتورع المسيحيون الصهاينة في التعبير عن تخوفهم من السلام عبر الدخول في حوار حقيقي مع الفلسطينيين، و بالتالي فهم يركزون على تجاهل الفلسطينيين و حتى، الاستهزاء بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بهم، و جهودهم كلها تنصب حول تخريب مفاوضات السلام. و مثلما هي الحال، يعتقد هؤلاء المؤيدون أن الحرب و تشنج العلاقات هي فرص لا ينبغي تفويتها بما أنها تمنح أجواء مؤاتية تسمح بطرد الفلسطينيين وصولاً إلى تغيير الملامح الإقليمية و من ثمة: توسع إسرائيل و إعطاؤها دور 'قطب الرحى' وسط الشرق الأوسط الكبير، ثم الجديد.
يمثل التحالف الصهيوني الصناعي العسكري، من طرف عصابة المحافظين الجدد المحيطة بالرئيس بوش أما الإطار المؤسساتي للتحالف، فهو يتكون من شبكة من مراكز (الثينك تانكس) الوثيقة الارتباط التي تأسست، و يتم تمويلها أصلاً، من طرف لوبي السلاح و اللوبي الإسرائيلي، و من أهم هذه المراكز التي يمكننا الاستشهاد بها على سبيل المثال: معهد المؤسسة الأمريكية (AEI) ، مركز السياسة الأمنية (CSP) ، معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط (MEM r I) ، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) ، منتدى الشرق الأوسط (MEF) ، المعهد القومي للسياسة العامة (NIPP) و لا يجدر بنا أن ننسى أيضاً، المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA) .
هذه المراكز التي هي -واقعاً- مراكز لتبرير الحروب و تضخيم النفقات العسكرية، يسيرها بشكل رئيس، رموز المحافظين الجدد من التحالف الصهيوني الصناعي العسكري، و لم يعد اليوم سراً، على أن خطط السياسة الخارجية للإدارة الحالية، يتم تحريرها و صياغتها من قبل هذه المراكز.