فهرس الكتاب

الصفحة 8066 من 27364

كما أن استمرار التدريس باللغات الأجنبية يجهض أي مشروع لإنتاج المعرفة والإبداع في المجالات المختلفة؛ لأن هناك حقيقةً تربويةً ونفسيةً تؤكد أن الإنسان لا يستوعب العلم ولا يستطيع أن يُبدع إلا من خلال لغته القومية، والمتأمل في المستوى العلمي للخريجين من الكليات التطبيقية يفاجأ بتدني هذا المستوى وعدم قدرتهم على الاستيعاب وضعفهم في اللغتين العربية والأجنبية معًا، وهناك دراسات مصرية وأردنية وسعودية تشير إلى أن كفاءة التعليم والتعلُّم باللغة الوطنية تفوق بكثير التعليم والتعلم باللغة الأجنبية، وهذه الدراسات موجودة ومنشورة.

وجهة نظر مخالفة

إلا أن هناك وجهة نظر أخرى تتبناها د. كوثر كوجك خبيرة المناهج التي ترى أن التعليم الأجنبي مدخل معقول للتغلب على مشكلات التعليم الحكومي، وأننا يجب أن نختار بين تعليم أجنبي حديث فيه بعض السلبيات التي قد تؤثر في الهوية والثقافة واللغة العربية، وتعليم حكومي مليء بالسلبيات ولا يواكب العصر , وتقول إن الكثيرين يصورون التعليم الأجنبي على أنه كلَّه شرور، والهدف منه تغريب المجتمع والأمة، وإبعادنا عن الدين الإسلامي، وفي هذا مبالغة - بحسب قولها - لأن المتأمل للتعليم الأجنبي يجد أن له إيجابيات ، واختيار التعليم الأجنبي قد يعكس رغبة جدية في النهضة، ومواكبة العصر، والإفلات من حالة التخلف. كما ترى أنه من المهم في هذه الحالة التأكيد على دور وسائل التنشئة الاجتماعية الأخرى لتفادي ما يحدث من خلل ومن سلبيات، ونعني بشكل خاص التربيةَ الأسرية، ودور المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية , وقد يكون لوجهة نظر الدكتورة كوثر صدى لدى بعض المشجعين للثقافة الانفتاحية الغير مقيدة بضوابط البيئة الإسلامية وقيمها , إلا أن هذا الكلام لا يمكن أن يعدو الحديث النظري الخالي من التدقيق والبحث العلمي حيث ثبت بما لا يدع مجالا للشك الدور السلبي والتغريبي الخطير الذي تقوم به هذه المدارس التي يغلب عليها الفكر التبشيري المتحرر

أهداف تربوية مختلفة

ترى د. بثينة عبد الرءوف رمضان أستاذة التربية أن المدارس الخاصة التي تقوم بتطبيق نظام تعليمي أجنبي انجليزي أو أمريكي أو فرنسي أو كندي تقوم بتدريس مناهج تختلف حسب البلد التابعة له وتحقق الأهداف التربوية للبلد الأصل، ومعظم هذه المدارس ارتبط دخوله إلي مصر في الماضي بفترات الاستعمار، والمدارس التي تقوم بتدريس المنهج الأمريكي هي الأكثر انتشارا في بلد مثل مصر. إن هناك اختلافا بين كل من نظام التعليم الأمريكي والتعليم المصري من حيث مرجعية الأهداف، وهذا يعني أن هناك اختلافا في النتائج، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط، أولا، دخول الأطفال في سن مبكرة إلي المدارس الأمريكية يؤدي إلي صراع داخل الفرد لتشكيل الهوية. ثانيا: تسهم المناهج الأمريكية في نقل القيم الأمريكية بما يؤدي إلي ضعف الولاء والانتماء للمجتمع المصري. ثالثا: تعلم المدارس الأمريكية علي تهميش الثقافة الوطنية واللغة القومية.

اللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان إدراك هويته، فإذا فقدت الأمة لغتها فقدت هويتها. ومن حق الشعوب تعلم اللغات الأجنبية بما لا يؤثر علي اللغة الأم وينعكس سلبا علي الهوية القومية. إن عصر العولمة يتطلب معرفة بمختلف اللغات مع ضرورة الاحتراس من أضرارها. وتعلم التلاميذ اللغات الأجنبية في سن مبكرة لا ينبغي أن يكون علي حساب اللغة الأساسية لتلك الجماعات والأمم. فاللغة الأساسية هي التي تؤثر في وجدان الشخص، أما اللغات الأجنبية علي أهميتها فلا تؤثر في وجدانه. إن اللغة تمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.

تفكيك ثقافي

أما د. حامد عمار - شيخ التربويين المصريين- فلا يستبعد، بل يرجح، من المنظور الثقافي، أن التعليم الأجنبي أو باللغة الأجنبية قد يراه الغرب وسيلة لتكوين عقلية وثقافة تخفف ما يزعمونه من أن نظم تعليمنا ومناهجها وأجواءها مصادر لتوليد العنف الذي قد يشتط ليصل إلي مرحلة يسمونها الارهاب, وبذلك يصبح التعليم الجديد أداة للاندماج في ثقافة الغرب وقيمه والتقدير الوافر لها ولفرصها في العمل. ويكفي هنا أن نشير إلي دعاوي اليمين المسيحي الصهيوني في أمريكا، وإلي تنظيرات هنتنجتون وفوكوياما في اعتبار الإسلام العدو الحالي لحضارة الغرب في صراع الحضارات بعد زوال الاتحاد السوفييتي عدوهم السابق.

وثمة علاقة بين اتفاقية الدول الثماني الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فيما عرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، من أجل إعادة تشكيل خريطة المنطقة، وتفكيك الروابط والوشائج التاريخية والثقافية بين الدول العربية، وإذ تعتبر تدريس اللغة العربية والتعليم من خلالها عقبة في تحقيقه. وينبغي العمل علي استبداله بلغة أجنبية، بما يعين علي التخلخل الثقافي، بل ذوبان ما تبقي من عوامل التواصل والارتباط في دائرة الوطن الغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت