ويذهب الخبير التربوي الدكتورعماد حسين إلى إن القائمين على التعليم الأجنبي من الأجانب لم يأتوا إلى بلاد المسلمين أبرياء من الهدف، وبالتالي لابد أن نبحث عن الأهداف التي تركوا بلادهم وأهلهم من أجلها، لا توجد أعمال خيرية في العلاقات الدولية، ولذلك فإن هناك أهدافا غير بريئة من وراء وجود المدارس الأجنبية في أراضي المسلمين.
والمستعمرون أنفسهم اعتبروا السياسيات التعليمية أحد أهم المحاور التي يجب السيطرة عليها؛ ولذلك وجدنا دانلوب في مصر يقوم بوضع برامج تخدم إنجلترا، والسلطة الفرنسية في الجزائر منعت التعليم باللغة العربية، وأغلقت كافة المدارس الإسلامية بما يتيح لثقافتها أن تسود.
القادمون إلى بلادنا من الغرب يحملون أهدافا تركوا من أجلها راحتهم وبلادهم، وعلى هذا فهم قد تفرغوا للقيام برسالة يؤمنون بها، وهي ألا يتكرر مشهد الفتوحات الإسلامية مرة ثانية، سواء ما حدث في العهد الأول من الدولة الإسلامية، أو ما حدث على يد الدولة العثمانية من محاصرة العواصم الأوربية تحت راية الإسلام، وبالتالي فهم يهدفون بشكل أساسي إلى تمييع المعاني والعقائد الإسلامية؛ حتى لا يتكرر مثل هذا الجيل مرة ثانية؛ ولهذا فإن ما يتوجه إليه الغرب الآن من توجيه قدراته نحو المناهج والمدارس الإسلامية ليس إلا حلقة جديدة في هذا المخطط.
مأوى للتبشير والاستعمار
أما أخطر ما في هذه المناهج الأجنبية فهو تكريس وترسيخ معنى ذهني خطير في عقول الأجيال وهو ضرورة فصل الدين عن الدولة بمعانٍ مختلفة ومتداخلة وخفيةٍ والاتجاه بفكر هذه الأجيال إلى نهج الدولة العلمانية،
يذهب د. محمدي سلامة أستاذ التاريخ إلى أن المدارس الغربية في البلاد العربية والإسلامية مأوى للتبشير والاستعمار معاً، وهي تجعل من نفسها داعية لدين غير دين البلاد، كما تجعل من نفسها حكومة داخل حكومة البلاد، وفي ذلك إهدار للاستقلال، ومدعاة للفساد.
إن الأمم الحريصة على توحيد كلمتها وتوحيد آمالها، تصب أبناءها في قالب واحد، حتى يكونوا متفقين متساندين، أما هذه المدارس فتجعل أبناء البلاد شيعاً كل طائفة تصطبغ بصبغة خاصة، وهنا تتضارب الميول، وتتنازع الآمال، ويكون أبناء البلد الواحد، بعضهم أعداء بعض وفي ذلك من الفساد ما لا يخفى.
ويضيف د. محمدي أن من الخطأ أن يُسلِم الوالد ولده إلى المدرسة التبشيرية لتأخذه عدة سنوات، فتتسلمه ولداً صحيحاً بعقيدته وثقافته ودينه، ثم بعد حين ترده إلى أهله وأمته وبلاده ولداً مزيفاً، ما كان فيه قد أُخِذَ منه، وما أعطيه ففاسد لا جدوى منه ولا منفعة.
وليس من المعقول ولا من الجائز أن تستورد أمة لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها، ولها محيطها الخاص وظروفها الخاصة، أن تستورد نظاماً تعليمياً من الخارج، ولا أن تكل وظيفة التعليم والتربية وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى أناس - مهما بلغوا من البراعة في التدريس، وإتقان اللغات والفنون- لا يؤمنون بهذه الأسس والعقائد، ولا يتحمسون لشرحها وتعضيدها.
ازدواج لهوية الطفل
ومن جانبه يؤكد الأستاذ الدكتور يونس الحملاوي الأستاذ في جامعة الأزهر والأمين العام للجمعية المصرية لتعريب العلوم: أن التعليمَ باللغات الأجنبية للأطفال دون سن الثانية عشرة يؤدي إلى حدوث التشويش اللغوي لديهم فتختلف عليهم الحروف العربية والحروف الأجنبية، وتوجد دراسات أخرى حول قضية الازدواج اللغوي وخطورة هذا الازدواج على هوية الطفل وانتمائه الحضاري؛ لأن فرنجة اللسان قد يستتبعها فرنجة العقل والسلوك، وهنا مكمن الخطورة، وتؤكد تلك الدراسات على ضرورة أن يتعلم الطفل في بدايات حياته باللغة العربية حتى إذا أتقنها اتقانًا تامًّا نبدأ في تعليمه اللغات الأجنبية حتى لا يُعاني الازدواج اللغوي.
ومخاطر التدريس باللغات الأجنبية ليست مقصورة على مستوى ما قبل الجامعة، ولكن هناك مخاطر التدريس داخل جامعاتنا العربية باللغات الأجنبية، وهي مخاطر واضحة على كفاءة العملية التعليمية وكفاءة الخريجين وإهدار الأموال على تعليمٍ يعطي مردودًا متدنيًا إلى جانب العدوان على اللغة العربية وإهانتها في وطنها فلا توجد دولة في العالم تقوم بتدريس العلوم التطبيقية بغير لغاتها القومية، فاليابانيون يدرسون تلك العلوم باليابانية والصهاينة بالعبرية والألمان بالألمانية.. وهكذا، جامعاتنا فقط هي التي لا تعرف أهمية اللغة العربية وتشعر بالدونية أمام اللغات الأجنبية.