إن متابعة أداء الإسلاميين في الفترة الأخيرة، خاصة في أعقاب الحرب على العراق؛ لا تعطي صورة متفائلة، فبينما لا يزال الجدل محتدماً حول جدوى العمل السياسي في ظل أنظمة غير ديمقراطية؛ يفاجئنا بعض الإسلاميين في العراق بتسويغ العمل السياسي في ظل المحتل الصليبي، ومن لوازم ذلك: تجريم كل حركات المقاومة للاستعمار القديم والجديد، والسلوك الأعجب تمثل في رد الفعل لدى الإسلاميين، والذي تراوح بين اللامبالاة، وبين اعتبار ذلك شأناً عراقياً، وأهل بغداد أدرى بدروبها! وبذلك فإن الإسلاميين يواجهون مؤامرات التفرقة؛ بتجزئة المواقف، وأقلمة الثوابت، وإعادة إنتاج الأخطاء القديمة، وإنه من أكبر الخلل حالياً أن يقال عن فعل إسلامي في بلد ما إنه شأن داخلي، والدول الإسلامية قد تحولت بأسرها إلى سفينة واحدة، ليس انطلاقاً من مفهوم ديني ـ للأسف ـ، ولكن وفق مخططات التآمر الأمريكي، فكيف يليق بنا مع هذا أن نصف أفعالاً جوهرية بأنها شؤون داخلية؟!
وفي مجال التوحد بين التيارات الإسلامية لم تُقدم إلى الآن استراتيجية فعالة، وبات كثير من الإسلاميين يَعُدُّون من ضمن الثوابت التراكمية: استحالة أن يتم التوحد أو على الأقل تضافر الجهود وتنسيقها عن طريق التواصل بين قادة التيارات المختلفة جغرافياً ومنهجياً، ولكن كان هذا في الماضي، فهل قُدمت رؤية جديدة لتمهيد هذا الطريق؛ ومعلوم ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج فعالة؟
وقد يرى بعضهم أن إقامة كيانات جديدة يكون هدفها لمّ الشمل، وتوحيد الرؤى؛ هو إجراء كاف، ولكن الأمر أعجل من ذلك، وخاصة أنه قد بدرت بوادر غير محمودة العواقب لتوجهات من قِبَل بعض الحركات الإسلامية التي تبدي تأثراً إيجابياً في مواجهة الجائزة التي يلوّح بها الأمريكيون على طريق العمل السياسي ـ نموذج حزب العدالة والتنمية التركي ـ في ظل نظام علماني مطلق ـ النموذج التركي ـ، وهذه البوادر منها: التبرؤ الفكري والمنهجي من قطاعات عريضة من الإسلاميين ـ بديلاً للتوحد ـ وترسيخ نظرية الشأن الداخلي في التعامل مع الفصائل الإسلامية ـ بديلاً للشراكة ـ، وللأسف هذه هي نوعية الفكر الاستباقي التي تمت صياغتها حتى الآن في الأوساط الإسلامية!
أمر أخير يحتاج إلى مراجعة، وهو حتمية تخلص الإسلاميين من رؤية الحل الواحد التي يتقيدون بها، والتي توقع العمل الإسلامي في وضعية الأزمة عندما يتبين عدم ملائمة الرؤية لتطورات الأحداث، ونوضح أكثر فنقول: إن تقويمنا لحالة التفكيك والتقسيم بأنها مصيبة كبرى قد تلحق المسلمين؛ لا يعني عدم بلورة رؤية مناسبة للعمل في ظل وضعية كهذه بافتراض حدوثها.
رابعاً: المقاومة:
ثلاث دول إسلامية.. المقاومة فيها تقف حاجزاً في طريق إكمال مؤامرة التفكيك والتقسيم: أفغانستان، العراق، فلسطين. ففي باكستان تتمثل المهمة الرئيسية لنظام مشرف حسب الرؤية الأمريكية في التعامل مع منظومة: المقاومة ـ البعد الديني لدى الباشتون ـ الحدود الأفغانية، وفي حال قُضي على المقاومة، وكُللت مساعي مشرف بالنجاح في علمنة الباشتون وتأمين الحدود؛ فإن الغاية من بقائه تتلاشى، ويتم الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي تقسيم الدولة الباكستانية، وقد تحدثت دراسات أمريكية عن توقع ذلك مع العام 2010م.
وفي العراق وفلسطين؛ تفعل المقاومة الشيء نفسه ـ عن قصد أو بدون قصد ـ، حيث أدت المقاومة الفعالة إلى وقف هذه الخطط التي تحدث عنها كلارك سابقاً وتأجيلها، وربما إلغائها، وهذا يلفت الانتباه إلى أن تأثير المقاومة خارج حدودها أصبح أكبر بكثير من تأثيرها داخل الحدود، ولذا ينبغي أن يتقرر في حسّ هذه المقاومة وفي عقلية منظريها ومخططيها؛ أنها تقوم بدورين متلازمين: السعي إلى طرد المحتل من بلدهم ـ إرهاق وتعطيل قوات المحتل عن متابعة مخططها في المنطقة. وقد يعتقد البعض تماثل الدورين، ولكن عند التدقيق ـ وليس هذا مجال بحثه ـ يتبين الفارق!
أمر آخر يلزم المقاومة في العراق، وهو إيجاد غطاء سياسي، أو عمل سياسي متزامن مع المقاومة، وفي أفغانستان ـ بعد البروز الأخير لطالبان ـ وفي فلسطين يتوفر هذا الغطاء أيضاً؛ لذا تتمكن المقاومة من حصاد مجهوداتها وتضحياتها، وقد تسربت مؤخراً أنباء عن محاولات أمريكية للاتصال بحركة طالبان وإغرائها بالسيطرة على بعض المناطق، كما أنه من أهم الأسباب التي دفعت الكيان الصهيوني لمحاولة تصفية الجناح السياسي لحماس؛ أنه كان فعالاً في توظيف مكاسب المقاومة لصالح الحركة والقضية الفلسطينية، لكن الأمر يختلف في العراق، في غياب عمل سياسي، حتى على مستوى أهل السنة عامة، والعمل السياسي الأبرز كان المشاركة في مجلس الحكم، وتبدو الأزمة فاعلة لو افترضنا انسحاب القوات الأمريكية بتأثير المقاومة، فمن سيحصد مكاسب المقاومة؟
? خاتمة: