[ إن أخطر ما تعرضت له الأمة الإسلامية هو عملية التحول الداخلي أي الهزيمة الروحية والنفسية والعقلية أمام أعدائها , فاستخذت أمام الأصنام , وركعت على أقدام الطغاة , وأصابها الوهن الذي عرفه رسول ا صلى الله عليه وسلم بأنه ( حب الدنيا وكراهية الموت) . ففي الحديث الصحيح:الذي رواه أحمد: ( يوشك ـن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . قال قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل.ز ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم , وليقذفن في قلوبكم الوهن , قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) .
-…فكيف أصبحت (خير أمة أخرجت للناس) غثاءا..؟
-…وكيف أصبح الخير النافع زبدا و جفاءا..؟
-…وكيف خلفت الأسود قرودا..؟
-…وكيف ولدت ليوث الغاب خنازيرا..؟
إن أخطر ما يمكن أن تصاب به الأمم هو هزيمتها في أعماقها . فهذا هو الداء القاتل , إن أشد رمية أصابت الأمة في مقتلها هي فقدان الثقة بنفسها. فالشعوب إنما تنتصر يوم أن تتفاعل بمبادئها و تحيا بعقائدها وتستعلي بدينها . ولن تهزم أمة تلتف على عقيدة صحيحة تعيش من أجلها وتجاهد لإحيائها مهما كان أعداؤها, ومهما تألبت عليها القوى.., وهذا المبدأ هو الذي سطره رب العزة في سبب النصر والهزيمة إذ يقول سبحانه:
? أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? (آل عمران:165) . فالهزيمة تبدأ داخلية ثم تنعكس على ساح المعركة . والخلل يبدأ في أعماق النفس ثم نرى آثاره اندحارا في ميادين الحياة, سلوكا وأخلاقا ومعاملة . فكيف تمت عملية التحويل ؟!
•…أوربا وحرب الكلمة بدل حرب السيف:
في الحملات الأخيرة على مصر (1249ميلادية ) , آخر أيام الأيوبيين وأول أيام المماليك , وقع (لويس التاسع ) ملك فرنسا أسيرا وأودع سجن القلعة. وهناك كان لديه فسحة من التأمل ليضع أسس هامة لتفكير الصليبيين في كيفية غزو المسلمين . وكتب توجيهاته الهامة تلك والتي كان خلاصتها:
( إن المسلمين لا يهزمون ما دامت عقسدتهم قائمة ويجب أن تبدأ الحرب على المسلمين بحرب الكلمة ) .
وهكذا أدرك ملوك النصارى ألا سبيل لهم إلى البقاء. وبدؤوا يعيدون التفكير في طريقة غزوا المسلمين والتعامل معهم.
و كانت حملة نابليون على مصر نقطة بارزة في تحول المعركة وأساليبها , فلقد غزا نابليون مصر (1798م) مدججا بأحدث الأسلحة الفرنسية ومدافعها ورشاشاتها . ودخلت الخيل الأزهر وداست سنابكها الحصير الذي خرج عشرات الألوف من علماء الأمة , فانتفض الأزهر وهب دفاعا عن كرامة هذا الدين وأقض مضجع نابليون وأرق أجفانه ولم يستطع الاستقرار رغم العملاء الذين وقفوا بجانبه كيعقوب القبطي ومن وقف معه الأروام ونصارى الشام وغيرهم . وأخيرا انقض ( سليمان الحلبي ) على ( كليبر ) نائب نابليون الذي خلفه في مصر وقتله.
وكان خروج الفرنسيين من مصر من أبرز المعالم في أوروبا الحديثة , إذ أدت إلى تصميم أوروبا على خوض معركة اللسان بدل معركة السنان . واتجهت إلى نزع هذا الدين من أعماق هذه الأمة ليغرسوا بدله القومية والعصبية وغيرها من الشعارات لمحاولة لملأ الفراغ.
فقد جاء في مؤتمر ( الشرق الأدنى وثقافته ) الذي أقامه مجموعة من المستشرقين في جامعة أمريكية جاء في:
( أننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض حتى نخرج أثار ما قبل الإسلام ونحن لا نطمع أن يرتد المسلم عن عقيدة الإسلام إلى عقيدة ما قبل الإسلام ولكن يكفي تشتيت ولائه ) .
وجاء في تقرير أحد معاهد الإرساليات بقلم نبيه أمين فارس:
(بينما كان الشرق الأدنى مطمحا لأفكار بناء الإمبراطوريات كان أيضا مطمح جماعة أخرى من الناس تنشد أن تنجز عن طريق الكلمة ما عجز أجدادهم الصليبيون عن تحقيقه عن طرق السيف ) .
ٍ {ولنضرب مثالا عن ذلك بما بدأ في عقر دار لإسلام ن الإفساد, في مصر والشام}
•…محمد علي باشا ( وريث نابليون ) (1904-1949) :
وجاء محمد علي باشا ليعمل ما عجز عن عمله نابليون , وأراد أن يحول مصر قطعة من فرنسا , وبدأ بإرسال البعثات إلى فرنسا لتغسل أدمغة المبعوثين , ومن بين الذين ذهبوا هناك ( رفاعة الطهطاوي ) الذي عاد داعية للثقافة الغربي وكتب ( تخليص الإبريز في تلخيص باريز ) ونقل القانون الفرنسي . واتخذ محمد علي باشا رجلا فرنسيا - وهو طبيب - مستشارا له وكان اسم هذا الرجل ( كلوت بك ) وكان لهذا الفرنسي تأثيرا كبيرا في تغريب مصر. وفي عهد محمد علي أدخلت القوانين الفرنسية لتحل تدريجيا محل الشريعة الإسلامية . وكان جلساءه الخاصين من السياح والقناصل والمبشرين . ومن أعمق الآثار السيئة التي حلت أيام محمد علي باشا أنه فتح أبواب مصر والشام - عندما خضعت له - للمبشرين النصارى , فقد كانت موصدة دون هؤلاء بسبب صرامة الدولة العثمانية وحزمها في هذا الموضوع ومنعها للمبشرين.
وكان نتيجة دخول المبشرين للشام أن أنشأوا جامعتين في لبنان: