فهرس الكتاب

الصفحة 7892 من 27364

كما ويقف المؤمن قابضًا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع البعيد عن الدين وعن الفضيلة وعن القيم العليا وعن كل ما هو طاهرٌ نظيفٌ جميل، ويقف الآخرون هازئين ساخرين بهذا المؤمن وعقيدته وقيمه، فلا يهن المؤمن، وهو ينظر من علٍ إلى هؤلاء الساخرين الضاحكين، وهو يقول كما قال واحدٌ من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان في الطريق الطويل، إنه نوح عليه السلام: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38] ، وهو يرى نهاية الموكب الوضيع ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29] .

أيها المسلمون، إن المسلم على الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! وليكن للضلال سلطانه وجبروته، ولتكن معه جموعه وجماهيره وحلفاؤه، إن هذا لا يغير من الحق شيئًا، فدولةُ الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، فالمؤمنون دائمًا يتمثلون قول الحق جل وعلا: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] ، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

أيها المسلمون، إننا لا نقف اليوم، ولن نقف إن شاء الله تعالى في يومٍ من الأيام موقف المدافع عن هذا الدين وكأنه في قفص الاتهام، فهو أسمى وأرفع من كل ذلك، وأبعد من أن توجه إليه التهم أو تثار حوله الشبهات، فحديثنا من منطلق بيان هدايته ومنهجه وطبيعته؛ لأنه دين الرحمة والعدل والأمن والسلام والطمأنينة، وإن المستقبل له بالرغم من كل المحاولات اليائسة للنيل منه أو لتشويه صورته وطمس معالمه وحضارته من قبل أعدائه، حسدًا من عند أنفسهم، وخوفًا على مبادئهم الهدامة ومعتقداتهم الزائفة وأفكارهم الشيطانية، أو النيل منه من قبل أتباعه الذين لا يفهمونه، وبالتالي لا يحسنون عرضه على الآخرين.

نعم، إن المستقبل والعلو لهذا الدين، إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] ، أيريد المشركون إطفاء نور الله وشرعه المنير بأفواههم؟! وهذا تهكّم بهم في إرادتهم إطفاء الإسلام بقولهم عن القرآن الكريم: إنه سحرٌ وشعرٌ وأساطير الأولين، واليوم يقولون عنه: إنه دين الإرهاب، سبحان الله! ما أشبه اليوم بالبارحة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالشر والإلحاد يعودان من جديد، ولكن بثوبٍ آخر.

أيها المسلمون، وقد شبه الله تعالى من أراد إبطال هذا الدين أو الصدّ عنه بمن أراد إطفاء الشمس الساطعة بفمه الحقير، والله تعالى متمّ نوره أيّ مظهر دينه بنشره في الآفاق وإعلائه على كافة الأديان، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم: (( إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ) )، والله تعالى سبحانه وتعالى سيعلي شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين المجرمين الحاقدين، فتاريخ الإسلام والمسلمين وما اشتمل عليه من نماذج العدل المشرقة ومن مبادئ حقوق الإنسان واضحٌ معلوم لدى القاصي والداني، ولدى العدوّ والصديق، كما أن تاريخ الآخرين بما اشتهر عليه من جرائم بشعة وأعمالٍ بربرية همجية يشيب لهولها الأطفال وتقشعر منها الأبدان معلومٌ أيضًا، ولم يعد سرًا يتكتم عليه، إن في هذا لبلاغًا لقومٍ عابدين.

ادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فرَج المستغفرين، استغفروا الله.

الخطبة الثانية

وبعد: أيها المؤمنون، إن المسلمين اليوم قد أضحوا أمام فتنةٍ عمياء وشدائد مظلمة، ليس لها من دون الله كاشفة، إنها فتنةٌ أوقد نارها أعداء الإسلام، وما أكثرهم، يريدون بذلك إضعاف شوكة العرب والمسلمين وغزو بلادهم ونهب خيراتهم وثرواتهم والهيمنة عليهم. إن الشعوب العربية والإسلامية تواجه اليوم بغيًا مفضوحًا وعدوانًا سافرًا، لا يستند إلى برهانٍ أو دليل، وما مشروع الإصلاحات التي ينادى بها هنا وهناك، وما مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا استكمالٌ لمشروع الهيمنة وفرض السيطرة علينا، وما يحدث اليوم على أرض العراق من جرائم بشعة ومجازر مؤلمة يروح ضحيتها آلاف الأبرياء، ما هو إلا حلقةٌ في سلسلةٍ متواصلةِ الحلقات، تستهدف النيل من المسلمين أينما كانوا، كما أنها تستهدف صمودهم وزرع بذور الفتنة بينهم لإضعافهم. إن هدف المحتلين هو تدمير البنية التحتية للشعب العراقي، حتى لا تقوم لهم قائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت