فهرس الكتاب

الصفحة 7837 من 27364

زد على ذلك إشارة صلى الله عليه وسلم إلى بقاء الإسلام في هذه البلاد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا ) . و (إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) يعني يحن ويرجع وينضم ويجتمع، والحديث في مسلم وغيره.

ففي ذلك إشارة إلى ارتباط، مستقبل وحاضر وماضي هذه البلاد بالإسلام، وأنها قد عجنت جميعاً بها فهذه الأرض يحبها الإنسان بحكم فطرته وطبيعته وحنين الإنسان إلى وطنه.

وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ … …

مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا

إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ … …

عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا

لكن هناك عامل، لا أقول إنه إضافي, بل هو أسبقي، أن يحبها الإنسان تديناً، وتهوي أفئدة المسلمين إليها، وربما كان قصارى ما يتمناه الواحد منهم أن يجلس فيها أياماً وليالي آمناً, أو أن يصافح أرضها, أو أن يعيش فيها, أو حتى أن يموت على ثراها الطيب الطاهر إذا حانت له وفاة.

في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال"، وفي البخاري من حديث أبي بكرة:"لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال"، وفيهما عن أنس -رضي الله عنه-:"ليس بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة"، وهذه أحاديث صحاح تؤكد الحراسة الربانية لهاتين المدينتين المقدستين، وفي بعض ألفاظها أن الله -تعالى- وكل بها صفوفاً من الملائكة يحرسونها.

وهذه وعد أكيد بحفظ هذه الحوزات المباركة من الفتنة العامة.

نعم هي ليست بمعزل عن التأثر بما يحيط بها، حتى في عهد النبوة كان بها المنافقون، لكنها تبقى قوية متماسكة، عصية على ألوان التخريب والتغيير الفاسد، وإن كانت السنة الربانية في الجملة جارية عليها وعلى غيرها، بيد أنها أعصى وأمنع بالقياس إلى غيرها.

ومن هنا نعلم أن الإيمان هو أساس كل مشروع إصلاحي يمكن أن يتم في هذا البلد، فأهله بفطرتهم مسلمون، وهذا يمنح طمأنينة بحصول قدر من التوافق والانسجام والوحدة، حيث تجمعهم كلمة التوحيد وقواعد الإسلام وأصوله العظام.

وهذا يخفف من عوامل الفرقة والتناحر والاختلاف القبلي والمناطقي والفئوي وغير ذلك.

ومن ثم فالانطلاق من هذه القاعدة المهمة في أي مشروع يستهدف رفعة البلد وإصلاحه وحفظه وتقدمه وحضارته هو أمر طبعي ومنطقي، بل هو ضرورة لا محيد عنها.

فالتحديات الخارجية؛ سواء كانت أخلاقية، تعبث بالقيم والمعاني الفاضلة، وتحاول اختراق الأجيال وتغيير أنماطها السلوكية، ونماذجها الأخلاقية، وتشيع لديها ثقافات شاذة كثقافة (الجندر) التي تتبناها مؤتمرات السكان الدولية وهي تقوم على إلغاء التميز الجنسي بين الرجل والمرأة ونحن لا نقول بالتمييز، لكننا نقول بالاختلاف، وليس الذكر كالأنثى.

أو كانت تحديات اجتماعية، توظف الاختلالات الاجتماعية في قضايا المرأة أو العلاقات أو العنصرية؛ لهدف خلط الأوراق وإرباك مسيرة المجتمع.

أو سياسة تنادي بالإصلاح وفق رؤية غربية وعينها على النفط والثروة، أو على المصالح اليهودية المنتفعة من بناء ( الشرق الأوسط الكبير ) الذي يسمح باندماج إسرائيل ضمن حركة تطبيع جادة، تعود بالنفع على اقتصادها، وتزيل الحواجز التاريخية، وتضمن في الوقت ذاته بقاء إسرائيل قوة عسكرية ضاربة في المنطقة بلا منازع.

فالمعتصم هنا - إزاء هذه التحديات كلها وغيرها- هو الانطلاق بحركة تصحيحية صادقة وجادة ذاتية تستلهم التجربة الإسلامية التاريخية، والنجاحات النموذجية الحية، وتقتبس من جذوة الإيمان رسوخاً في ثقتها بدينها وحضارتها واستقلالها، وجرأة في مواقفها وقراراتها مع نفسها ومع الآخرين، وامتناعاً شجاعاً عاقلاً أمام محاولات لي الذراع.

إن الإيمان يمنحنا قوة في مواجهة تيارات التغريب، وقدرة على ابتكار الوسائل والأساليب والبرامج والمشاريع التي تضمن التحديث والتطوير والتقدم والرقي، ومواكبة المستجدات والمتغيرات، دون أن نفرط في قيمنا ومحكمات ديننا.

ويبرز هنا الارتباط العضوي بين التحديات الخارجية والتحديات الداخلية التي هي منفذ كل متربص، وعلى رأسها هذه الفترة أعمال العنف التي تتترس بدوافع دينية، وبالتالي فالخطاب الديني الرشيد المنطلق من حقائق الوحي والتنزيل هو القادر -بإذن الله- على مواجهتها ودحضها.

نسمع حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إخراج المشركين من جزيرة العرب...

فهل هذا الحديث صحيح ؟

نعم فقد رواه الشيخان وغيرهما.

أهو منسوخ ؟

كلا.. فقد قاله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه قبل أن يموت بخمس، فهذا النص الذي يختطفه طرف ما، ويوظفه، ويصعّد به في اتجاه إعلان الحرب على اللحمة القائمة اليوم، وعلى العالم كله.. كيف يمكن إعادته إلى سياقه الصحيح؟

يملك ذلك الفقهاء الذين لديهم القدرة الشرعية والعقلية واللغوية، والذين يقررون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت