وردود الفعل هذه من قبل أكبر التكتلات السنية في العراق تعكس عمق الأزمة التي يعيشها أهل السنة في العراق؛ فهم الخاسر الوحيد والأول على الصعيد المحلي إذا ما نجحت الحكومة في إقرار الدستور، وقبل ذلك عليهم يقع مسلسل الإبادة والتهميش والتطهير الطائفي في كل شبر يمثله السنة على أرض العراق السنية، وهم أيضاً من سيدفع فاتورة التقسيم في حال وقوعه، لكنهم وفي حال وقوع كارثة التقسيم أو أماراتها ومقدماتها فلن يكونوا هم الخاسر الأخير، وإنما ستُجرّ المنطقة كلها إلى صراع لا تُحمد عقباه!!
وإن أسئلة كثيرة وتساؤلات مثيرة لتفرض نفسها على كل متتبع لأحداث الشارع العراقي الآخذة في الاستفحال والتعقيد. لماذا تواطأت القوات الأمريكية والحكومة العراقية على إبادة أهل السنة في العراق دون غيرهم من طوائف العراق؟ ولماذا تكون الإبادة قبيل أهم المنعطفات السياسية كالانتخابات ومشروع الدستور؟ وما سر علاقة الميلشيات العميلة لإيران وميلشيات الأحزاب والتكتلات الشيعية بالحكومة العراقية في الإبادة الطائفية التي تجري في مدن أهل السنة في العراق؟ ولماذا يرفض أهل السنة مشروع الدستور الجديد وتصرّ الطوائف الأخرى على تمريره بدعم أمريكي وإيراني متّحد؟ وما هي عواقب إقرار الدستور على العراق وعلى أهل السنة فيه، بل وعلى الخليج والمنطقة عموماً؟وهل لهذه الأحداث علاقة بمشروع إستراتيجي أمريكي (جديد) أو (قديم) في المنطقة؟ وما سر الانعطاف السياسي الأمريكي في تحالفه المكشوف مع شيعة العراق، ومن ورائهم إيران؟ أهو خيار مدروس سلفاً قبل احتلال العراق أم تكتيك فرضته معطيات الوضع الراهن الناجم عن شموخ المقاومة؟ وفي الإجابة عن هذه التساؤلات تتضح صورة الوضع برمته بكل خلفياته ومآلاته المتوقعة!
أما فيما يخص"مشروع إبادة أهل السنة في العراق"، فقد أصبح حقيقة جلية يعيشها العراق واقعاً ملموساً محسوساً، وتتناقل كل الإذاعات العالمية ووكالات الأنباء أخباره اليومية من قصف عشوائي بالمقاتلات الحربية وطائرات وصواريخ الآباتشي على منازل العزل، وتقتيل جماعي على يد الميلشيات الشيعية المنظمة، وتهجير من المدن والقرى واعتقالات جماعية، واختطافات سرية، ومداهمة للبيوت والمساجد، واختطاف العلماء وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في أبشع صورها بكل أنواع التعذيب والتنكيل في الفلوجة والسماوة وتلعفر والرمادي والموصل وبغداد والحديثة والبصرة وغيرها، حتى أصبحت أخبار التنكيل وإبادة أهل السنة في العراق مستفيضة لدى الرأي العام العالمي، وعارية عن كل المسوّغات التي تردّدها الحكومة العراقية والاحتلال الأمريكي؛ لتسويغ حربها على أهل السنة، حتى إن الناطق باسم هيئة علماء المسلمين مثنى حارث الضاري وصف ما تقوم به القوات العراقية بـ"الإرهاب"ضد أهل السنة، كما وصفت بيانات هيئة علماء المسلمين في العراق عمليات الحكومة العراقية بـ"إرهاب المؤسسات الأمنية"، وكذلك صرح الأزهر في بيان له بأن الذي يحدث في العراق هو إرهاب تمارسه أمريكا في أرض الواقع، وأصبحت صحف الاحتلال نفسها في بريطانيا وأمريكا تتناول موضوع الانتهاكات الوحشية لقوى الأمن العراقي وميليشياتها في تقارير لا تقبل التأويل بل، وتستغرب من صمت الحكومات عن ذلك.
فقد وصف تقرير لصحيفة (الأبزيرفر البريطانية) بتاريخ 5/7/25 بأن عنف القوات العراقية"أصبح أكثر سخونة وبدرجة كبيرة، وتبدو وكأنها استعمال لحرب العنف المضاد القذرة!"، وأن"ما يصدم المرء هنا هو أن ما حدث وما يحدث، يمر تحت أنوف الرسميين البريطانيين والأمريكيين"، وأن"هناك سؤال عن المدى الذي ذهب إليه القمع"، و"إن من غير الطبيعي أن تبقى الحكومات ساكتة". ولم يكن الكاتب الأمريكي والصحافي المستقل (ستيفن فينسنت) إلا ضحية من ضحايا المؤامرة الطائفية، فقد عثر عليه مقتولاً بعد أربعة أيام من نشر المقال الذي انتقد"تنامي الأصولية الشيعية في البصرة"، بحسب تصريحات السفارة الأمريكية بالعراق نفسها.
وكان (فينسينت) قد اختطف من فندقه بعد أن كتب المقال في صحيفة (نيويورك تايمز) ، واتهم مسؤولين بريطانيين بالسماح للأحزاب الشيعية بالتسلل إلى شرطة البصرة، وكان قد قضى شهرين كاملين في جمع معلومات شديدة الخطورة في هذا الشأن، وعزم على إخراجها في كتاب يكشف طبيعة المؤامرة.
وقد كانت صرخة وفد"القوى العراقية المناهضة للاحتلال"في رسالته التي وجهها للأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بتاريخ (8-12-24) تعبيراً يشكل إجماعاً عراقياً (يشمل حتى بعض الشيعة المعتدلين) على النوايا الأمريكية بزرع فتيل فتنة طائفية؛ إذ جاء في الرسالة:
معالي الأستاذ عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية المحترم
تحية طيبة وبعد: