إذن وعلى الرغم من أن هذا العدو الجديد حاول القضاء عليها بالحديد والنار استطاعت الزوايا أن تحافظ على وجودها واستمراريتها، بل وحتى في مواصلة تنظيمها لمهرجاناتها الدينية (المواسم، الزردات، والزيارات) مع ملاحظة أن أعداد المواظبين على هذه المناسبات ما انفك يتزايد ويضطرد حتى بين سكان المدن، من هنا فإنه يمكننا أن نعتبر الزاوية من وجهة النظر التاريخية مؤسسة فعلية قامت وارتبطت بها كل مناحي الحياة في المناطق التي تواجدت وتأسست فيها: أماكن للصلاة والذكر إلى جانب أماكن أخرى خصصت للتعليم وتحفيظ القرآن، ولكنها أيضًا كانت أماكن يتم فيها التباحث حول المشكلات والأزمات العائلية، فضلًا عن تنظيم العمل في المناطق الزراعية كما هي حالة"التويزة"مثلًا، والتي هي تظاهرة اجتماعية يتم فيها التعاون على إجراء عمليات الحصاد أو الحرث وما إلى ذلك من نشاطات تستلزم تعاونًا وتآزرًا بين الناس.
لقد ظهرت الزوايا في الجزائر (التي من أشهرها: الرحمانية، التيجانية، القادرية، السنوسية، الدرقاوة وأخرى كثيرة..) ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي تحت تأثير زعماء دينيين أقوياء كانوا يلقبون عرفًا بـ'الصالحين' (ما يقابل القديسين عند المسيحيين) كانوا يحظون بالتبجيل والتقدير من قبل الجميع، ثم إن التعلق بهؤلاء الناس وعلى مر الأيام تحول وأصبح يقترب من حد العبادة والتعلق الروحي بشكل يشبه الوثنية القديمة، وهذا ما كان يطرح مشكلة صعبة، فالمنظرون الدينيون كانوا يعتبرونه مساسًا صريحًا بصلب عقيدة التوحيد، إذ أن عملية تشييد القباب على أضرحة الصالحين وما كان يجري حولها من طقوس يقوم بها 'الأتباع' الذين يعرفون باسم 'الخوان'، وهم الذين يحرصون على زيارة تلك القبور طالبين من المدفونين تحتها الشفاعة والتوسط لهم عند البارئ - تبارك وتعالى - فضلًا عن الشعوذة وأعمال الدجل التي كانت تقام هناك، كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت من الزوايا هدفًا مباشرًا لم يتوانى المنظرون الإسلاميون في مهاجمته وحربه بما أنهم يعتبرون ذلك انحرافًا صريحًا عن جادة الدين.
أما في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين فإن رواد النهضة الإسلامية كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ثم محمد رشيد رضا قاوموا هذه التوجهات المنحرفة عبر العالم الإسلامي برمته، أما في الجزائر فإن فضل البدء في هذه الحرب يعود إلى جمعية العلماء سابقة الذكر التي أسسها وقادها الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهذا الأخير هاجم بلا تردد تلك التصرفات"المنافية للإسلام"، والشعوذة التي كانت تمارسها هذه الزوايا بعد تحولها إلى خطر حقيقي بات يتهدد عقيدة الجزائريين بشكل صريح.
إن النضال الذي خاضه إصلاحيو جمعية العلماء منذ تأسيسها الرسمي في الخامس من شهر أيار/مايو 1931 بالتنسيق مع معظم توجهات الحركة الوطنية استطاع أخيرًا أن يهمش هذه الزوايا خصوصًا بعد أن اُتهمت هذه الأخيرة بالضلوع مباشرة في المخططات الاستعمارية، بما أنه وبعد طول مواجهة بينها وبين الفرنسيين (ثورة الأمير عبد القادر، أولاد سيدي الشيخ، بوعمامة، المقراني، والحداد وغيرهم من زعماء وقادة المقاومة الشعبية الجزائرية) انتهت هذه الزوايا أخيرًا إلى دخول الأجندة الاستعمارية، وجرى ترويضها حتى أصبحت ملحقة بالإدارة الفرنسية التي وظفتها في سبيل تأمين استمرارية هيمنتها على البلاد والعباد.
لا يعني هذا بالضرورة القول بأن كل أتباع الزوايا كانوا من الخونة والمتخلفين عن نصرة وطنهم، فالحقيقة أبعد ذلك لأن غالبية هؤلاء التحقوا مباشرة وبشكل شخصي وفوري تقريبًا بصفوف المقاومة، بمعنى أن الزوايا ككيان ومؤسسة إلى جانب قياداتها هي من فضلت البقاء ضمن مخطط اللعبة الاستعمارية، وحينما تحقق استقلال البلاد في 1962 تأكد تهميش هذه الزوايا وإقصاءها عن الحقل السياسي على الرغم من أن حضورها ونشاطها الاجتماعي ظل متواصلًا وحاضرًا، لأجل هذا كان يمكننا إبان عهد"الاشتراكية النوعية"أن نلاحظ بين الفينة والأخرى مواسم وزردات ذات طابع علني، ولم يكن من النادر وقتها أن تقرأ إعلاناتها عن مواعيد تنظيم تلك التظاهرات فوق الصحف الحكومية، ودعوة الأتباع من كل مكان حتى المهاجرين من بينهم إلى الحضور.