من هنا فإن الهدف من تأسيس الجمعية الوطنية للزوايا في الجزائر كان: إعادة الاعتبار للإسلام"التقليدي"، والحقيقة أن هذه التوجهات كانت قد سبقت وصول الرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم في ربيع العام 1999، لأن الواقع يثبت أنه وبداية من أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحينما كانت السلطة تحس بتعاظم حضور ونفوذ الحركة الإسلامية عبر كامل التراب الجزائري؛ بدأ العمل جديًا في البحث عن أنجع الطرق لأجل إعادة إحياء الزوايا التقليدية، وبعث دورها على الساحة الاجتماعية، ومن ثم السياسية بالتالي، على الرغم من أنها كانت حتى تلك اللحظة مهمشة بشكل تام بمعنى أنه كان يتعين الاستعانة بثقلها في سبيل مواجهة المد الدعوي الإسلامي، والذي لا شك أن أهمه كان تيار الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجارف الذي كان يضم السلفيين خصوصًا بعد أن نال هؤلاء حق العمل السياسي اعتبارًا من العام 1989، لقد كانت الصفة التي ميزت الزوايا بعدها عن الطموحات السياسية، فهي كانت دائمًا راضية بالنظام الحاكم، وهذه بلا شك كانت النقطة التي التقت عندها طموحات قادتها مع الذين خططوا لأجل تخليد نظام الحكم السياسي في الجزائر.
لقد كان هذا اللقاء المصلحي صمام أمان للماسكين بمقاليد السلطة من جهة، وللقائمين على الزوايا من الجهة الأخرى وهو الذين ضمنوا بهذا موردًا ماديًا رسميًا، وتشجيعًا علنيًا على الانتشار والتوسع خصوصًا في الأوساط الريفية؛ وإن اقتضت الأمانة منا القول: أن تأثير هؤلاء على الريفيين كان حاضرًا دائمًا على الرغم من أن هذه الحقيقة كانت منفية وغير معترف بها بشكل صريح.
أما فيما يتعلق بالرئيس بوتفليقة فإن هذا الأخير استطاع أن يستوعب وبشكل سريع مبدأ أن تحكمه في هذه القوى سوف يمنحه سلطات قوية وحضورًا فعليًا كفيلين بضمان استمرارية عهده بما أن الزوايا كانت تؤمّن له مهمة التواصل مع شرائح عريضة من السكان الذين ما يزال عدد كبير من بينهم يمجد"المرابطين"، من هنا وبما أن العملية تتطلب تحركًا فعليًا لأجل المساعدة على نشر مثل هذه الأفكار جرى تسريب إشاعة رسمية مفادها أن الرئيس نفسه هو من المنضوين تحت لواء إحدى الطرق، والتي كان يحضر إليها بشكل روتيني خلال"رحلته الصحراوية"لأجل التنسك والدعاء، ثم إن الرجل ولحسابات سياسية قرر أن يمنح هذه الزوايا المنتشرة عبر طول البلاد وعرضها دورًا حاسمًا من الناحية التأطيرية حتى يتمكن من أن يحشد الجزائريين وبشكل قطعي وراء المنطق السياسي للسلطة، وهذا هو ما وقع فعلًا في انتخابات 8 أبريل 2004، فخلال معظم تنقلاته عبر البلاد حتى قبل انطلاق الحملة الانتخابية التي سبقت ذلك الموعد لم يخلف الرئيس مناسبة إلا وزار فيها إحدى هذه الزوايا حيثما حل موزعًا عليها مبالغ مالية مهمة، طالبًا من شيوخها أن"يدعوا"الله له في سبيل أن يتمكن من استكمال ما بدأه من عمل سياسي إصلاحي، ويحقق ما رسمه من أهداف استراتيجية، ولقد كان ينجح في كل مرة في الحصول على مباركة أولئك الشيوخ والزعماء الطرقيين، وقناعتهم بضرورة أن يحصل الرجل على عهدة ثانية يواصل فيها ما بدأه في الأولى، باختصار لقد تم له ذلك، وأعلن المشايخ مساندتهم للرجل بشكل صريح.
بديهي أنه قد حاول عدد من المراقبين أن يشكك في مدى نجاعة هذه التحركات التي كان بوتفليقة يصر عليها بما أن هؤلاء المتابعين كانوا يتخوفون من أن يؤدي هذا إلى عودة الجمود الديني والاجتماعي، بما أن هذا - وفقًا لرأي هؤلاء - لا يقل خطورة عن الإسلام المتطرف فضلًا عما يمثله من انحسار لصالح دعاة السلفية، لم يكن بوسع هؤلاء المراقبين أن يفقهوا معنى أن يعلن الرئيس علنًا انتماءه إلى"الإسلام المنفتح على الحداثة والعالمية"، ثم اعتماده على الزوايا والطرقية المعارضة لكل تطور وتجديد، وهي المرتبطة بكل قيم التقليد والجمود التي حاربتها سابقًا"جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"للشيخ عبد الحميد بن باديس، لم يكن بوسع جل المراقبين إذن أن يدركوا حجم التأثير الحقيقي الذي تملكه الزوايا من الناحيتين السياسية والاجتماعية بما أنهم لم ينتبهوا إلى أن هذه الأخيرة لم تتعرض إلى حملة التصفيات خلال عقد المواجهات المسلحة في التسعينيات الأخيرة، وتحولها إلى هدف مباشر من قبل 'الإرهابيين' إلا بسبب موقفها الرافض لذلك، وبسبب أنها كانت تمثل أيضًا جيوب مقاومة في وجه الأيديولوجيا الإسلامية وانتشارها، بمعنى أنه كان يتعين على الأخيرة التخلص منها ومحوها.