فهرس الكتاب

الصفحة 7575 من 27364

بدأت المعركة وفق هذه الاستراتيجيات من مرحلة طويلة مضت، كما يمكن القول إن حالتها المرحلية الفاصلية كانت ما بعد غزو واحتلال أفغانستان ثم العراق، وفى ذلك ووفق الأولويات والمعطيات في الواقع جرى تقاطع أو توافق بين اثنين منها ضد الاستراتيجية الثالثة.

وواقع الحال أن كلاً من استراتيجيات الولايات المتحدة وإيران قد التقتا أو تقاطعت مع بعضهما البعض في تلك الرحلة ضد الاستراتيجية الثالثة وقواها، مع تباينات هنا وهناك بطبيعة الحال مثل كل التقاء، حيث الالتقاء شي و"التطابق"شيء آخر، وفى استراتيجيات الدول أو في الاستراتيجيات بشكل عام لا يوجد تطابق أبداً.

لقد التقت الاستراتيجيتين الأمريكية والإيرانية على إقصاء حركة طالبان من الحكم في أفغانستان، حيث الولايات المتحدة كان هدفها الرئيس هو تمديد خط أنابيب من بحر قزوين عبر أفغانستان (وهو ما كانت طلبت من طالبان تمريره فرفضت) ، وحيث إيران كانت مهتمة بالأمر من زاوية ضرب أوائل تطبيق المشروع الثالث في أفغانستان، وبحكم أن وجود"هذا المشروع الواضح في معالمه العقائدية والسياسية - والأخيرة على صعيد الرفض للمشروعات الأخرى - قد مثل النموذج الذي يدفع حتى في إيران للتطور باتجاهه هم الآخرين...الخ، كما يمكن القول بأن إيران رأت أن"إقصاء طالبان"سيفتح الطريق لها لتوصيل الغاز والنفط الإيراني - ومن بحر قزوين - إلى باكستان والهند أيضاً بما يحقق أهدافها الاستراتيجية في الإقليم."

كما التقت الاستراتيجيات على إقصاء حكم الرئيس صدام حسين من العراق، حيث الولايات المتحدة استهدفت السيطرة على بترول العراق، وضرب قوة ممانعة لوجودها في"الشرق الأوسط"أي لإعادة ترتيب العالم الإسلامي تحت هيمنتها المطلقة بدءاً من منطقة الخليج.

وحيث إيران صاحبة مصلحة في ضرب قوة ممانعة لتمددها الاستراتيجي في"المنطقة العربية"باعتبار حكم صدام كان مستنداً إلى مفهوم القومية في مواجهة"القومية الفارسية"، هذا إلى جانب التقاء استراتيجي عام بسبب استهداف كليهما"تفكيك"الدول القائمة في الجناح الآسيوي الممتد من أفغانستان إلى لبنان باعتبار أن التفكيك هو لمصلحة الطرفين كمقدمه لإعادة ترتيب التواجد السكاني في علاقته بالجغرافيا الجديدة المستهدفة.

ففي حين اهتمت الولايات المتحدة من هذا التفكيك - وبالدرجة الأولى - إعادة بناء نظم سياسية على أسس عقدية فكرية، وسياسية واجتماعية ثقافية، تكون تحديد التوجه لصبغة واضحة لا لبس فيها ولاءً للولايات المتحدة حضارياً وفكرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً, وكذا إعادة تشكيل الدول وفق كيانات أصغر وأضعف لتستمر تحت السيطرة الأمريكية دون قدرة على مقاومة النفوذ والوجود والمصالح الأمريكية؛ فإن إيران اهتمت بتحقيق التفكيك، وكذا بإقامة"الدول الجديدة"على أساس من فكرة"تحرير"الشيعة من سيطرة الدول"السنية"الحالية, وباتجاه"السيطرة"على هذه البلدان الجديدة، أو تغيير هوية الدول القديمة في المناطق التي تمكنها الكثافة السكانية الشيعية من فعل ذلك، أو بزيادة تمثيل الشيعة في السيطرة على القرار السياسي في المناطق الأقل كثافة شيعياً بين السكان، أو حتى بإضعاف قوة"السنة"في تلك المساحة من العالم الإسلامي كصيغة عامة (كما هو الحال في الدفاع المستميت عن سوريا، والتحالف مع الاحتلال في داخل العراق، وتقيم التغطية السياسية له، والدفع المغامر بالمعدات العسكرية لحزب الله) .

وهكذا، وبعد أن جرى"الانتهاء"من عملية غزو واحتلال أفغانستان والعراق دخل الطرفان في"مواجهات"بسبب محاولة كل منهما تحويل نتائج الغزو إلى مصلحته الاستراتيجية دون أن ينفك"التحالف"و"الالتقاء"الاستراتيجي بينهما بسبب الآفاق البعيدة له باعتبار أن استراتيجية إيران تستهدف بناء"دولة الشيعة الكبرى"في المنطقة، وأنها في ذلك تتجاذب مع الاستراتيجية الأمريكية لتحقيق أهدافها دون الدخول في مواجهات معها تكون لمصلحة أصحاب الاستراتيجية الثالثة، وهو نفس الفكر لدى مخططي الاستراتيجية الأمريكية التي تخشى من دخول في مواجهة مع إيران، حيث هذه المواجهة ستكون لمصلحة المشروع الثالث.

لقد دخلت قوى إقليمية أخرى على خطوط الصراع فكانت التهديدات بقصف إيران، والضغط عليها بالملف النووي، وكان الصدام المتفجر في لبنان، ثم كانت الدعوات الغربية من بعد لإشراك إيران في حل المشكلة العراقية ثم اللبنانية، وسيتلو ذلك الحديث حول الفلسطينية أيضاً، وكانت الاستجابة الإيرانية أيضاً.

فراغ القوة:

والحادث الآن بوضوح هو أن أصحاب الاستراتيجية الثالثة قد تمكنوا من"إعطاب"استراتيجية الولايات المتحدة التي أصيبت بانكسار حقيقي، لكنهم لم يتمكنوا بنفس القدر من إفشال الاستراتيجية الإيرانية، بما أحدث فراغاً على صعيد القدرة الأمريكية في التأثير في المنطقة، أو على صعيد قدرة الاستراتيجية في الصراع مع الاستراتيجيتين الأخريتين، ولو حتى كحالة مرحلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت