وهكذا صار الصراع بين الاتجاهات الثلاثة والاستراتيجيات الثلاثة طوال المرحلة الماضية التي يمكن التأريخ لها - في هذه المرحلة - بثورة الخميني بالنسبة للمشروع الإيراني (والذي لم يأت بعيداً في واقع الأعمال عن المشروع الشاهنشاهي إلا في النمط الصريح المعلن من الولاء للمشروع الأمريكي) ، وبالعدوان الأمريكي على العراق في عام 1991 باعتباره نقطة إطلاق السيطرة الأمريكية على العالم، والتي جاء إعلانها - عسكرياً - من العراق تحديداً لما لهذا من دلالات حضارية واستراتيجية تواصلت فيما بعد عبر العراق أيضاً، (وهو ليس منفصلاً بطبيعة الحال عن الاستراتيجيات الأمريكية منذ الخمسينات بشكل خاص) .
أما المشروع الثالث فإن التأريخ له هو عمليه صعبة، إذ هو مشروع يمكن التأريخ له ببدايات المقاومة للغزوة الاستعمارية الأوروبية من قرنين من الزمان، كما يمكن التأريخ لضروراته منذ إسقاط تركيا لواجبها تجاه الأمة الإسلامية عبر حركة أتاتورك, وكذا بظهور حركة الإخوان المسلمين، أو بنشاط وقوة التيار السلفي، أو بظهور تنظيم القاعدة، أو بظهور حركة حماس (مع الاختلاف البين والواضح بين تلك ا لتيارات) ، أو بغيرها، وإن كان الأكثر تحديداً هو ظهور حالة المقاومة الشاملة للمشروعين الآخرين.
صراع على ماذا؟
في التاريخ الاستعماري كله جرى التعتيم على الأهداف من الحروب والمشروعات الاستعمارية، كما جرى تقديم أوصاف خادعة لعمليات الاحتلال، حيث الخداع هو الاستراتيجية الدائمة في كل عمليات الاحتلال، النموذج الأبرز كان الحرب العالمية الأولى التي جرت فعلياً لتحقيق هدف الإجهاز النهائي على دولة الخلافة الإسلامية بأحداث تغيير فكري وسياسي في مركزها في تركيا، واحتلال أقاليمها وولاياتها كلياً باعتبارها مهزومة في الحرب، لكن تلك الأهداف استبدلت بإعلان شعارات وصياغات تتحدث عن: تركة الرجل المريض"، وفي تلك المرحلة جرى احتلال فلسطين من قبل القوات البريطانية لتسليمها للصهاينة وفق وعد بلفور، وكان المسمى الذي أطلق على الاحتلال هو"الانتداب"، كما جرى تقسيم الولايات الإسلامية بين بريطانيا وفرنسا وفق اتفاق سايكس بيكو باعتبارها دول منتصرة في الحرب."
وفي الصراع الراهن فإن الولايات المتحدة قد اختارت عنوان الشرق الأوسط الكبير للتعمية على هدفها في حرب الإسلام والمسلمين (وتغيير هوية المنطقة) ، واحتلال الأراضي الإسلامية، والاستيلاء على ثروات الأمة...الخ، كما هي اختارت شعارات الديمقراطية لتضليل الشعوب إعلامياً وذلك وفق خطط إعلامية مدروسة.
أما إيران فقد اتخذت غطاء لها في تحقيق أهدافها من الشعارات الأمريكية ذاتها في جانب كما هو الحال في حديثها عن الإرهاب في العراق وأفغانستان الذي هو وصف للمقاومة الإسلامية، كما هي خلال الحرب مع العراق قد اختارت شعارات مقاومة البعث الصدامي، ومواجهة تطلعات صدام...الخ.
ولأن المشروع الثالث هو المشروع الذي يستهدف مصالح الأمة، ويرتبط بهويتها، ويدافع عنها؛ فهو ليس فقط في غير حاجة إلى"شعارات للتغطية"على مشروعه؛ بل هو يطرح شعارات محددة صادقة مع توجهاته وأهدافه، وإن كان الأغلب فيها حتى الآن هو أنها ترفع شعارات مواجهة المشروعين الآخرين باعتبارهما مشروعين"استعماريين"بأكثر مما تطرح بنود وبرامج مشروعها الأصلي، مع الاختلاف بطبيعة الحال بين هذه الجماعة أو تلك على هذا الصعيد بحكم اختلاف الظروف التي تنشط فيها كل جماعة وليس فقط بفعل حالة التعدد والاختلاف بين الجماعات باتجاهاتها المختلفة.
وفي كل ذلك والحاكم لكل ذلك هو أن المنطقة التي يجري حولها الصراع ليست"أرض فضاء على صعيد النظم التي تحكمها، ولا على صعيد شعوبها، ولو كانت كذلك ما كانت هناك حاجة من قبل المستعمرين لإخفاء أهدافهم، ولا كان هناك خطاب موجه من أصحاب مشروع الأمة...الخ، وهنا يمكن القول بأن أصحاب المشروعات"الثلاثة"على اختلاف أهدافهم واستراتيجياتهم وتضادها حتى القتال ينطلقون من فكرة مفادها أن"نظم الحكم"التي تسيطر على الأوضاع في المنطقة لم يعد يمكن لها الاستمرار، أو لم تعد تملك مقومات البقاء - فوجهوا جهودهم لتغييرها كل حسب أهدافه - كما هم وجدوا أن الشعوب باتت أقرب إلى حالة التغيير منها إلى حالة الركون إلى التعايش مع أوضاعها الراهنة."
الصراع إذن يجري على منطقة محدودة، ذات هوية محدده، وفي ظل حالة انفصال بين الشعوب ومختلف أشكال الحكم فيها بما أوجد الفرصة لدى أصحاب الاستراتيجيات الثلاثة للدخول على خط التغيير، وأحدها استعماري (من بعيد) ، وثانيها تشكل عوامل القرب الجغرافي والاستراتيجي ملامح قوته، وثالثها يتمتع بالمشروعية لدى الشعوب إن لم يكن بحكم تعبيره عنها (وفق ملامح متنوعة ومتعددة الأوجه يختلف فيها وضع كل تيار أو جماعة) ، ولذلك اختلفت طرق الاقتراب في تنفيذ الأهداف بحكم طبيعة الاستجابات المختلفة من الشعوب لكل استراتيجية من الاستراتيجيات الثلاث.
الاتفاق والاختلاف الاستراتيجي: