فهرس الكتاب

الصفحة 6685 من 27364

لقد طوّر المجرمون في الأرض جميع أسباب الفتنة والفساد في الأرض، وسخّروا العلم لذلك كلّه، فقد تعددت ألوان الفاحشة وألوان الإغراء لها، وقد تطوّرت وسائل الظلم والعدوان، وسُخّر العلم لذلك، فلا عجب إذا طوّر المجرمون في الأرض وسائل أكل المال بالباطل، وأشكال الربا، واستحدثوا منها ما لم يكن متوافراً سابقاً، ولكنّ منهاج الله بنصوصه المطلقة الثابتة هو حقٌّ مطلق يحيط بأحوال العباد وأفعالهم في كل زمان ومكان. وإن بدا قصور فهو في جهد الإنسان وضعفه وليس في منهاج الله. لذلك جاء منهاج الله حقّاً مطلقاً للعصور كلّها وللبشرية كلها، وهذا وجه من وجوه إعجازه لا يبلُغه أيّ منهج بشري. عندما ندرس الواقع اليوم، وما قد يفرضه من ضرورة أو حاجة، فلا ندرس جزءً من الواقع ونغفل أجزاءً وأجزاءً ! فالمسلم الذي يرمي نفسه في أجواء الضرورة تحت هذا العذر أو ذاك، ولم يكن قد استفتى الإسلام حين رمى بنفسه في أجواء الضرورة أو الفتنة، حتى إذا عرضت له حاجة لا تتمّ له إلا بارتكاب الحرام، تذكر عندئذ الإسلام وأخذ يبرز حكم الضرورة والحاجة. وربما يكون ما يدّعيه بعضهم من حاجة وضرورة شرعية هو رغبة أكثر منها حاجة وضرورة، أو حاجة لتحسين مستواه يسميها ضرورة شرعية.

إنَّ ممارسة الحرام لا تجعله حلالاً، ولو كان تحت الضرورة. فالضرورة يجب أن تكون حالة غير مستديمة في أغلب الحالات، والتحريم مستديم.

والضرورة تكون لفرد أو أفراد، أمّا أنْ تكون للمسلمين جميعاً أو لقطاع واسع منهم، فتلك ضرورة تحتاج إلى وقفة طويلة، ودراسة واسعة أمينة لمعرفة سبب نشوئها وحقيقة حكمها.

فإذا كانت الحاجة والضرورة ناتجةً عن هوان المسلمين وعدم وفائهم بعهدهم مع الله، ولا بالأمانة التي يحملونها، أو ناتجة عن تقصير أدّى إلى تقصير، وتنازل أدّى إلى تنازل، حتى غلب الهوان على المسلمين، وخضعوا مستسلمين لغير شرع الله، وابتلاهم الله بما كسبت أيديهم، فتفرَّقوا ورضوا بالفرقة التي حرّمها الإسلام، وتمزّقوا ورضوا كذلك بالتمزيق، وتصارعوا وقد نهاهم الله عن ذلك، فَفُتِحَت القلوب والديار لأعداء الله الذين فرضوا شرعاً غير شرع الله، أنأتي بعد ذلك كلّه لِنُفتي لمن اضطرّته هذه التنازلات إلى ارتكاب ما يخالف الإسلام بجواز المخالفة، وندع المخالفة الأكبر والانحراف الأشدّ دون فتوى ؟! كيف يعقل هذا ؟!

لا يحلُّ لنا أن نلقي بهواننا وعجزنا وتقصيرنا وتفريطنا في أهمّ التكاليف الربَّانية على دين الله، ولا يحلّ لنا مع هذا كلّه أن نفتي لمن قنع واستسلم ورضي بحكم غير حكم الله في ألف قضيّة هامة وخطيرة، بجواز مخالفة هذه أو تلك تحت ادعاء ضرورة هو صنعها، أو صنعتها أمته وأهله.

إنَّ مفهوم الضرورة في الإسلام كان يحمل معناه والأمة المسلمة عزيزة قوية، ناهضة بمسؤولياتها. أما اليوم فللقضيّة كلّها صورة أوسع. وأول ما ندعو إليه أن ينهض المسلمون كلٌّ إلى مسؤولياته يطلب الآخرة يؤثرها على الدنيا. وأول هذه المسؤوليات الشرعية أن ينهض كل مسلم إلى الوفاء بحديث الرسو صلى الله عليه وسلم ، وبالآيات الكثيرة في كتاب الله، مما يفرض على كل مسلم أن يعرف دينه، وأن يعرف المسؤوليات التي سيحاسبه الله عليها والتي تقوم على الشهادتين والشعائر، التكاليف الربانية التي تنهض على الأركان الخمسة والتي تبني عليها. ومن أين يعرف المسلم هذه التكاليف الربانية إلا من منهاج الله. ونعيد ونذكّر بحديث رسول ا صلى الله عليه وسلم الذي سبق ذكره:

( طلب العلم فريضة على كلّ مسلم )

ما بال بعض المسلمين اليوم يسألون عن الفتوى في حاجة عرضت لهم، ولا يسألون الفتوى فيما هم فيه من تقصير وعجز ومخالفة وهوان. ومن الذي عليه واجب إيقاظ المنتسبين إلى الإسلام بمسؤولياتهم الفرديّة والتكاليف الربانية ؟!

فإذا رضي هذا وذاك قرناً أو قرنين أو قروناً بمخالفة الإسلام والتنازل عن شرعه وأحكامه، أفيأتون ليستفتوا في حاجة عرضت، جاهلين حاجات أخرى ومسؤوليات أخرى.

أما من وجد أنه أوفى بعهده مع الله، وبالتكاليف الربَّانية، واستوعب ذلك جهده وعلمه وطاقته وأمانته، فنقول إن حسابه وحسابنا كلّنا عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك لا بدّ من تناول قضايا واقع المسلمين اليوم ـ نتناولها واحدة واحدة حسب أهميتها في ميزان الله، لتُدْرس ويوضَع لها العلاج النابع من الكتاب والسنة، على صورة منهجيّة تجتمع عليها الأمة صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص.

ولا أجد في واقع المسلمين اليوم إثماً ولا معصيّة أشدّ من تفرِّق المسلمين بما كسبت أيديهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت