وما كان الله ليترك عباده في حَيْرة من أمرهم، لا يدرون ما هو الحلال وما هو الحرام، ومصير الإنسان مع الحرام إلى النار، إلى جهنم ! فالله أرحم بعباده من أن لا يبين لهم.واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى:
( …. ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين )
[ النحل: 89]
وكذلك في أحاديث رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فعن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول:
( إنَّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالرّاعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإنّ لكلّ ملك حِمى ألا وإنّ حِمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه. ألا وهي القلب )
[ رواه الشيخان ]
إنَّ التكاليف الربَّانية التي هي شأن كلّ مسلم جاء بيانها وافياً لكل من صدق إيمانه وأتقن اللغة العربية، وذلك واجب على كلّ مسلم، ولا عذر لمسلم إذا تخلّف عن الوفاء بطلب العلم من الكتاب والسنّة كما جاءا باللغة العربية، ورضي بالبقاء على جهله.
فعن أنس وغيره عن رسول ا صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( طلب العلم فريضة على كلّ مسلم )
[ أخرجه الطبراني وغيره [ (3)
ولقد يسّر الله برحمته القرآن الكريم للذكر، للتلاوة والتدبّر والعمل به: ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر )
[ القمر: 17]
"فالربا"كما جاء تحريمه في القرآن والسنّة، لا بدّ أن يكون واضحاً جليّاً لكلّ مسلم حتى لا يقع أحد في أمر حرام ولا في شبهة. فأمر"الربا"متعلّق بكلّ مسلم وليس يطبقه خاصة من المسلمين.
والحلال والحرام لا يُبيَّن إلا من عند الله ورسوله، وليس لأحد أن يحرِّم أو يُحلِّل دون نصّ من الكتاب والسنّة، أو اجتهاد قائم على نصّ واضح. وأمر ذلك عظيم، فالناس ستقف للحساب يوم القيامة، ثمّ إلى جنّة أو نار، فلا يُعقل أبداً أن يترك الله سبحانه وتعالى أي أمر يقود إلى النار إلا بيّنه، فإذا التبس الأمر على أحد فهو نتيجة خلل عنده وليس في منهاج الله، وعليه أن ينهض ليعالج الخلل عنده، كجهله باللغة العربية وعدم طلبه العلم من الكتاب والسنة، أو غلبه الهوى والشهوات في نفسه، وخضوعه لضغط الواقع، فيؤوّل ويُفسد في التأويل:
( ….فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد ) [ ق: 45]
والرّبا المحرّم في الإسلام هو كلّ ربا كان معروفاً لدى المسلمين، أو لم يكن معروفاً، ما دامت عِلّة الربا متحقِّقة فيه، إلى يوم القيامة. ذلك لأنّ نصوص الأحكام تحيط بجميع أفعال العباد إلى يوم القيامة في أي مكان رحمة منه سبحانه وتعالى بعباده.
فإذا كان الناس في جاهلية ابتدعوا نوعاً من التعامل المحرّم، أو تعلّموه من اليهود، فإنَّ الناس يمكن لهم في كلّ زمن أن يستحدثوا من وسائل التعامل بالمال والبيع ما فيه حرام وظلم، وبصورة خاصة عندما تُسْتحدث هذه الوسائل والأبواب في مجتمعات لا تلتزم بأحكام الإيمان وتشريع الإسلام، فيغلب عليها الظلم والعدوان واستغلال القوي للضعيف، والخداع والغش وغير ذلك، حيث يسود قانون بشريٌ لا يمكن له أن يرعى مصالح العباد كما يرعاها التشريع الرباني، مهما حمل من وسائل الزخرف والإغراء.
وعِلّة تحريم الربا هي الظلم واستغلال حاجة الضعيف للقوي، والفقير للغني، وبصورة عامة،"هي أكل أموال الناس بالباطل".
ليست القضية قضيّة عقلية فقط، فالعقل البشري وحده لا يستطيع أن يكشف جميع أنواع الباطل وأساليبه الشيطانية، إلا أن يكون شرع الله هو الذي يهدي العقل وينير له الطريق، ولا يستطيع العقل وحده أن يدرك جميع حقائق الحكمة الربانية البالغة في تشريعه، وقد يدرك بعضها.
فالنظام الرأسمالي والفكر العلماني لا يمكن أن ينشأ منهما عدل حقّ ينبثق من أجواء الفاحشة بكلّ أنواعها، وأجواء العدوان والغزو وسرقة ثروات الشعوب. حتى العقل البشري سيضلُّ عن الصراط المستقيم حين تدفعه وتوجهه العلمانية ومذاهبها والرأسمالية وطغيانها والشهوات والنزوات وصراع المصالح المادّية الدنيوية، وضغوط ذلك كلّه.
إنَّ بعض المسلمين الذين أخذوا يُؤوّلون بعض ما حرّم الله في نُصوص ثابتة، إنما تأثّروا بهذا الجوّ الصاخب من الديمقراطية والعلمانية، حتى أصبح كثير منهم يتحاكمون إلى عقولهم وحدها، بعيداً عن نور الإيمان والتوحيد، وعن نصوص التشريع الربّاني، تؤثّر فيهم زخارف العلمانية وضغطها الكبير، وقد يلوون الآيات والأحاديث عن معناها الحقّ، أو يؤولونها تأويل هوى.
و"الضرورة"لها ضوابط وأحكام، فلا يجوز أن نغيّر أحكام الإسلام كلما وجدنا صعوبة في الواقع أو ضغطاً منه، ثمّ نُسمي ذلك"فقه الواقع". فلا يوجد شيء اسمه"فقه الواقع"، لأن الفقه كلّه للواقع، والواقع كلّه ركن من أركان القفه. يمكن أن نقول"فقه الاقتصاد"، أو"فقه السياسة". فالفقه له ثلاثة أركان: صفاء الإيمان والتوحيد، وصدق العلم بمنهاج الله، ووعي الواقع من خلاله لا من خلال هوى.