لكن ما يهمنا حقيقة من المؤتمر: أن القرارات والتوصيات التي تصدر عنه وعن أمثاله من المؤتمرات تتحول على الفور إلى أوامر وسياسات، تلتزم جميع الأجهزة الحكومية وغير الحكومية في البلدان الإسلامية بتنفيذها، وكأن هناك حكومة عالمية تقوم على هذه التوصيات، ولا تهدأ حتى تراها مطبقة على واقع الحياة. وإذا كانت المظاهر الواضحة لهذه الحكومة العالمية تتمثل في الأمم المتحدة ووكالاتها في أخطبوط الإعلام الدولي الممتد والمسيطر بأقماره الصناعية، وفي شبكة ما يسمى المعونات الأجنبية، التي هي أداة التدخل والتأثير في الدول الإسلامية في العصر الحديث.. فإن هناك مظاهر أخرى غير واضحة لهذه الحكومة العالمية ـ أو ما يسمى بالنظام الدولي الجديد ـ أبرزها على الساحة الإسلامية العربية: تلك التجمعات للنخب العلمانية في أندية ومحافل ومنابر وروابط يطلق عليها الآن وصف (المنظمات غير الحكومية) : وتزعم النشاط في مجالات حقوق الإنسان، والبحث العلمي والفكري، والخدمات الاجتماعية، وبالطبع حقوق الإنسان وأوضاع المرأة، وعلى الرغم من وصف (غير الحكومية) الملحق بهذه التجمعات إلا أنها في الواقع تمارس نفوذاً قويّاً على الحكومات المحلية بمستوياتها المختلفة من أعلى إلى أسفل، بل إنها تمارس نفوذاً يفوق نفوذ هذه الحكومات، وذلك بفضل اندماجها في الشبكة العالمية لهذه المنظمات، وبالفعل: فقد أصبحت هذه (المنظمات غير الحكومية) الذراع الأساس للحكومة العالمية في فرض وإعمال كل السياسات الموضوعة في مؤتمرات المرأة والسكان، وآخرها مؤتمر بكين، وقبله مؤتمر القاهرة، إن هذه المنظمات التي تضم نخباً نسوية علمانية منعزلة عن مجتمعاتها الإسلامية أصبحت تستمد قوة كبيرة بفضل الدعم المالي والمعنوي الذي تتلقاه من شبكاتها الخارجية، بل إنها أصبحت أكثر ارتباطاً بالوضع العلماني الغربي من ارتباطها أو حتى صلتها بمجتمعاتها المحلية، وتحولت إلى مجرد فروع للحركة العالمية للمنظمات غير الحكومية العاملة في مجالي المرأة والسكان.
إن المنظمات غير الحكومية المنعزلة عن مجتمعاتها، والتي لا توجد لها جذور في أرض المجتمعات الإسلامية تمارس نفوذاً لا تناسب بينه وبين الحجم الحقيقي لأفرادها ووزنهم الفكري، ويعود ذلك إلى الاندماج في النظام الدولي الجديد والارتباط به لأداء دور الفروع من خلال شتى أنواع الدعم، كما يعود إلى الالتصاق بالسلطات السياسية والتنفيذية القائمة من خلال اختراقها والنفاذ إلى القمة فيها ـ ولا سيما زوجات الرؤساء ذوات الميول المتغربة ـ .
إذن: نحن نواجَه حقيقةً، ليس بحركة فكرية (في مجال(الفمنزم) أو الحركة النسوية العلمانية) تسعى إلى نشر أفكارها بوسائل الإقناع والحجة وما أشبه ذلك، بل بحركة تآمرية الطابع تتوسل إلى أغراضها بأسلوب التآمر الخفي، وإجبار المجتمعات الإسلامية على تنفيذ وإطاعة سياسات لا توجد لها أية جذور في الأرضية الإسلامية.
وهكذا.. فرغم أننا نبدو بعيدين عن مؤتمر بكين وأمثاله والقرارات الصادرة عنه، ورغم أننا نبدو بعيدين عن شطحات أفكار ومبادئ (الفمنزم) ، إلا إننا نجد ـ ولا أقول نفاجأ ـ بأن هذه الأفكار تطبق في بلادنا الإسلامية كسياسات فعلية تنفذ بقوة القانون دون أن يكون قد سبق حتى التبشير بها، أو كسبت الأنصار لها، واللجوء إلى هذا الأسلوب المشبوه في الفرض والإجبار يدل على أن مروجي هذه الأفكار والسياسات واثقون من أنه لو طرحت على حقيقتها فإنها لن تجد أي صدى مهما كانت درجة لمعان الشعارات التي تحيط بها.
هذا هو الأسلوب الذي تُفرض به علينا مخططات نرفضها، ونقدم الحجة ضدها، ونقول: إنها تخالف عقيدتنا وتاريخنا وتراثنا وشريعتنا، لكننا ـ مع ذلك ـ نجدها مطبقة ومنفذة بشكل يبدو سحري الطابع، لكنه يعود في الحقيقة إلى أسلوب التآمر غير الشريف الذي ألمحنا فيما سبق إلى بعض جوانبه وآلياته.
هذه هي الحقائق وراء كل الضجيج والصخب والبريق الذي أحاط بمؤتمر بكين.
(*) عقد المؤتمر في بداية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الحالي، وينقسم المؤتمر من حيث اللقاءات إلى محورين:لقاءات وفود الدول الرسمية، ولقاءات المنظمات الدولية المتخصصة، وحضره ما يزيد عن سبعين ألف مشارك ومشاركة، بالإضافة إلى الوفود الحكومية.
ومما تجدر الإشارة إليه: أن (التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية) شارك في هذا المؤتمر في خطوة رائدة مشكورة، وهو المنظمة الإسلامية الوحيدة المشاركة ـ فيما نعلم ـ. ويمثل التجمع في هذا المؤتمر وفد مكون من عدد من طلبة العلم والأساتذة المتخصصين، وألقوا ـ بلغات مختلفة ـ عدداً من المحاضرات لبيان الصورة
الحقيقية للمرأة في الإسلام، كما أصدر التجمع عدة كتب وأبحاث وزعت في المؤتمر، منها: كتاب: (شبهات حول المرأة المسلمة) للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، بسبع لغات حية،وكتاب: (مكانة المرأة في الإسلام) للشيخ علي التميمي، باللغة الإنجليزية.
-البيان -