موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3159)
إبراهيم بن محمد الفارس
المجمعة
جامع الجزيرة
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي النجاة غدًا، والمنجاة أبدًا، والعاقبة للتقوى.
أيها المسلمون، لقد أنزل الله الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ففتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، وبدد بدعوته ظلمات الجهل والحماقة، وأسقط الأغلال التي كانت على العقول، فأصبحت عبادة الأصنام في ميزان المسلم إفكًا قديمًا، ويعجب المسلم فيما يعجب، من سخف المشركين، وصدق الله تعالى إذ يقول: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا [الكهف:17] .
عباد الله، غير أنه يجب أن نذكر دائمًا أن البلاء مستمر، ومادة الشر باقية، وشياطين الإنس والجن مستمرون في ترويج الضلال، حتى زخرفوه بكل لون، وروجوا له بكل لسان: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] ، ومن الواجب أن نتتبع طرق الغي، بالتحذير منها وكشف مراميها وأبعادها، وسد السبل على دعاتها، حتى يكون المسلمون على بينة من ربهم وبصيرة من سبيلهم، ولا يضرهم انتحال المبطلين أو كيد الكائدين.
ولقد شاعت في دنيا المسلمين اليوم، فلسفات وأنظمة خدعت الكثيرين منا ببريقها، وانتشرت شعارات ومصطلحات لو قدر لها أن تنتشر، لم تأت على شيء إلا جعلته كالرميم، ومن تلك الأفكار، الفكر الصليبي (غير الديني) ، وهو ما يسمى بالعلمانية، التي تسربت إلى مجتمعات المسلمين، ولعل أحد التحديات الخطيرة، التي تواجه أهل السنة الجماعة في هذا العصر هي إسقاط اللافتات الزائفة، وكشف المقولات الغامضة، وفضح الشعارات الملتبسة، التي تتخفى وراءها العلمانية، التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة.
ومدلول هذا المصطلح وفكره، هو إقامة الحياة على غير دين، سواء بالنسبة للأمة أو الفرد، إن هذه العلمانية، لهي أكبر نقيض للتوحيد.
عباد الله، ولقد تغيرت بعض مظاهر العبادة، فلم يعد هناك تلك الأوثان التي كان العرب في شركهم يعبدونها، ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الأوثان القديمة أوثان أخرى، كالحزبية والقومية والعلمانية، والحرية الشخصية والجنس وغيرها... وعشرات الأوثان الجديدة، إن العلمانية- عباد الله - تعني بداهة: الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شرع الله، وقبول الحكم والتشريع والطاعة من الطواغيت من دون الله، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] .
عباد الله، والجاهلية أنواع، منها جاهلية الإلحاد بالله سبحانه وإنكار وجوده، فهي جاهلية اعتقاد وتصور كجاهلية الشيوعيين، ومنها اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه، وهي جاهلية الاتباع والطاعة، كجاهلية الوثنيين واليهود والنصارى، وفيها اعتراف بوجود الله سبحانه، وأداء للشعائر التعبدية، مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم مسلمين من العلمانيين، ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحققوه بمجرد نطقهم بالشهادتين، وأدائهم للشعائر التعبدية، مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين، ومع استسلامهم لغير الله من العبيد.
عباد الله، والعلمانية، تجعل العقيدة والشعائر لله وفق أمره، وتجعل الشريعة والتعامل مع غير الله وفق أمر غيره، وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله، لأن أهل الجاهلية الأولى لم ينكروا وجود الله، قال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25] ، وكذلك لدى أهل الجاهلية الأولى بعض الشعائر التعبدية، قال تعالى: وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً [الأنعام:136] ، ومع ذلك فقد حكم الله عليه بأن ذلك كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعها صفرًا في ميزان الإسلام.
عباد الله، وكذلك فإن بيننا اليوم ممن يقولون: إنهم مسلمون، من يستنكرون وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، وبخاصة أخلاق المعاملات المادية، وفي مجتمعنا الواسع أناس حاصلون على الشهادات العليا من بعض جامعات العالم، يتساءلون أولاً في استنكار: ما للإسلام وسلوكنا الاجتماعي؟! وما للإسلام واختلاط الرجال مع النساء على الشواطئ والمنتزهات؟! وما للإسلام وتعليم العلوم الطبيعية؟! وما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟! وما للإسلام والمرأة وقيادتها للسيارة واختلاطها بالرجال وحريتها الشخصية في سفرها بدون محرم وتصرفها في شؤونها؟!