والدليل على جهل العلمانيين بالإسلام أن إحدى العلمانيات جاءت ببرنامج الاتجاه المعاكس في 31/ 3/98، فقالت ـ وهي غير محجبة، أي أنها كغيرها من العلمانيين لا يلتزمون حتى بالإسلام الفردي الذي يقولون أنهم يؤيدونه، وهم يخفون بهذا الكلام مروقهم عن الدين لخداع المسلمين ـ قالت: إن الإسلام كغيره من الأديان جاء لنشر العدل والرحمة، ولكنه لا يصلح لمنع الاستغلال مثلاً.
كيف ينشر العدل ولا يمنع الاستغلال؟!
كيف وهو يحيي ضمير المؤمن فيمنعه عن أدنى استغلال، ويمنع الغش والاحتكار ويحض على التكافل الاجتماعي ويوجبه وينصر المظلوم ولو كان كافرًا ويرعى النساء والأيتام و يمنع الربا حتى لا تستغل حاجة المحتاجين ويرعى الحقوق ولو كان الحاكم طرفًا، والأمثلة كثيرة جدًا، والإسلام يطلق العنان لكل من يبدع في وسائل منع الاستغلال في إطار الشرع الحنيف، دون أن نجنح إلى الرأسمالية التي تجعل المال إلهًا والتي تطحن الفقراء، أو الاشتراكية التي تطحن الأغنياء.
والعلماني تراه فصيحًا بليغًا في كلام الدنيا، ولكنه عندما يتكلم بالقرآن تجده يتلعثم وكأنه لا يعرف النحو مطلقًا، فقد جاء في نفس البرنامج وفي الأسبوع الذي سبقه علماني آخر أراد أن يستدل على صحة كلامه فاستدل بآية قال إنها من سورة الرمز؟!! يقصد الزمر.
ثم إنه طوال الحلقة لم يقرأ آية واحدة صحيحة رغم أنه رجل فصاحة ومرافعات.
وأخذ يؤول الآيات تأويلات فاسدة ويسقطها على الواقع إسقاطًا خائبًا، يدل على أنه يجهل الإسلام.
الإسلام في الكثير من البلاد الإسلامية يروج لأفكار غير إسلامية باسم حرية التفكير وحرية التعبير.
فبعد الاستجواب الذي قدمه الإسلاميون في البرلمان الكويتي لوزير الإعلام في أزمة الحكومة الأخيرة حول السماح ببيع ونشر كتب تطعن في الذات الإلهية والأنبياء والمرسلين، انبرت أقلام في الصحف وفي المحلات تصف الإسلاميين في الكويت بالإفساد والتستر وراء الدين.
انظر كيف أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ومن قبلها قالها فرعون لموسى: ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرْضِ الْفَسَادَ [غافر:25] .
ثم قالوا ـ مؤلبين الحكام كعادتهم في كل بلد ليقتلعوا كل ما هو إسلامي ـ: إن هذه النبرة بدأت تتعالى في الكويت، هذه النبرة التي أدت إلى صراع مسلح في بلدان أخرى!!!
هم يريدون الحرية لكل ناعق إلا الإسلاميين، فهؤلاء ينبغي أن تطهر البلاد منهم: أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56] ، لذلك، إذا كنا نريد أن نفلح وننجو، ينبغي أن تخرس أقلام هؤلاء في بلاد الإسلام حتى لا يطعنوا في الإسلام باسم حرية التعبير.
أما عن دورنا نحن فنتعرض له في
الخطبة الثانية.
الخطبة الثانية
أما بعد:
ينبغي ألا نبرئ أنفسنا من التقصير نحن المسلمين، فالله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
ولكن، كيف الخلاص من هذه الهوة السحيقة التي صرنا إلينا؟ وكيف نقاوم هذه المؤامرات التي لا حدود لها في الداخل وفي الخارج، ما هو دورنا نحن؟
يقول سيد قطب في كتابه"هذا الدين"ـ:"إن الإسلام لن يتحقق في دنيا الناس ولن ينتصر لمجرد أنه من عند الله عز وجل، ولن يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه، إذن كيف يتحقق لكي نعمل لذلك؟"
إن هذا الدين يتحقق بأن تحمله جماعات من البشر؟ تؤمن به إيمانًا كاملاً، وتستقيم عليه ما استطاعت، وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك، ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة، وتنهزم تارة، بقدر ما تبذل من الجهد، وبقدر ما تتخذ من الوسائل، وقبل كل شيء، بمقدار استقامتها هي على هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي، حيث يقول تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] .
إذاً ينبغي أن نتكتل لخدمة الإسلام، لا أن نهاجم كل تكتل نشأ لخدمة الإسلام، نتكتل لأنه (( إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ).
وكل من يهاجم أي جماعة أو داعية يخدم الإسلام هو أحد اثنين:
إما أن يكون غير ملتزم أصلاً، فهذا لا يفكّر في كلامه مطلقًا، ودائمًا الشيطان يجري السوء على لسانه، مثل هذا الشخص لا يعمل أي شيء للإسلام، ولو رأى أي داعية يخطئ ولو خطأ صغيرًا يحرص على نشره بين الناس جميعًا ليشنع به فيفقد الناس الثقة به وبالملتزمين، وتكون فتنة أجراها الشيطان على لسان هذا غير الملتزم.
ولكنه في المقابل لو رأى غير ملتزم يشرب الخمر أو يزني فإنه لا يأبه، ولا يراها تستحق التشنيع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالمهاجم إما أن يكون غير ملتزم فيكون حاله كما سبق.