وأنتم تكتبون (ان الولايات المتحدة لو اعتمدت العزلة عن العالم داخل حدودها) فإنه لم يكن ليعني المسلمين ما تعتنقه وتمارسه من مبادئ وقيم. وهذا القول صادق, على الأقل في بعضه. لكننا لا نعتقد بأن من الحكمة لبلادنا (أو لأية بلاد أخرى في هذا الصدد) أن تعتمد (العزلة عن العالم داخل حدودها) . ونحن نشير هنا الى أن الكثير من الشخصيات والمجموعات من بلادكم تنشط في ترويج مفهومها للدين الإسلامي لا في الولايات المتحدة فحسب, بل في كثير من الدول الأخرى التي لا نية لها ولا قدرة على التأثير الفاعل خارج حدودها.
وأنتم تكتبون أن (غالبية الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وغيرها تمتلك قدراً ذاتياً من الاعتدال, من المهم المحافظة عليه) . ونحن لا نزعم أننا على اطلاع دقيق على الوضع الحالي والاتجاهات المستقبلية للمواقف العقائدية في العالم الإسلامي. لكننا على بيّنة من التجاذب القائم في هذا العالم بين الدين الإسلامي, والذي نقرّ بعظمته ونحترمه, والجماعات السياسية الدينية المتشددة الرافضة لتسامح والتي تدعي (خطأ برأينا) رفع لواء الإسلام. وإزاء الحديث عن (المحافظة) على الوضع الحالي, نشير إلى أن هذا الوضع يقوم على مقتل الأعداد الكبيرة من الأبرياء, منهم المسلم وغير المسلم, على أيدي جماعات إسلامية متشددة, بعضها يجد الدعم والتشجيع في بلادكم, وبعضها يسعى إلى اقتناء السلاح الكيماوي والجرثومي والنووي. فنحن, بالتالي, لا نرغب إطلاقاً في المحافظة على الوضع القائم.
وفيما تعترضون على ما تعبرونه (إدارة الصراع) في الولايات المتحدة, تكتبون أن (الاستقرار أساس الحقوق والحرية في العالم) . ونحن هنا نعتبر أنكم إلى حد كبير قد قلبتم السبب والنتيجة. ذلك أننا نعتقد بأن الحقوق والحرية هما أساسا الاستقرار. لذلك, فإن الأوضاع القائمة في الكثير من المجتمعات الإسلامية اليوم - حرية تعبير ضئيلة جداً, غياب النظم والمؤسسات الديموقراطية, اعتراف سيئ للسلطات بحق حرية البحث الأكاديمي وغيره من حقوق الإنسان الأساسية - تجعلنا نعتقد بأن الاستقرار في مجتمعكم, تماماً كما في غيره, يبقى مرتبطاً إلى حد بعيد بالرغبة والقدرة لدى قادتكم والمثقفين لديكم, بإضافة إلى عموم الشعب, في أن يسعوا إلى تحقيق الحقوق الأساسية والحريات للجميع في مجتمعكم. ونحن نأمل هنا بأن تعتمد حكومتنا نهجاً أكثر وضوحاً وثباتاً في دعم التوجهات نحو الديموقراطية في العالم الإسلامي.
والفحوى التي تتكرر في رسالتكم, وتأتي كنتيجة وخلاصة لها, هي أن اعتداءات 11 أيلول, وأعمال العنف الذي تقدم عليه الجماعات الإسلامية عموماً, تقع مسؤوليتها في الدرجة الأولى على الولايات المتحدة نفسها وعلى حلفائها. أي أن رسالتكم في جوهرها تقول لنا إننا جلبنا المصيبة على أنفسنا. فأنتم على سبيل المثال تكتبون أن عدم الاستقرار في العالم الإسلامي جاء (تحت مظلة الغرب) وربما كان عائداً إلى (ممارساته المباشرة) .
وتقولون أيضاً إن (كثيراً من التجمعات الإسلامية المتشددة - كما توصف - لم ترد أن تكون كذلك في أولى خطواتها, لكنها وضعت في هذه الدائرة) نتيجة للضغوط السياسية والعسكرية والإعلامية من الولايات المتحدة وحلفائها. وتصرون على أن هذا التبدل الاجتماعي الذي جاء نتيجة للضغوط الخارجية هو (الدافع الأكبر إلى التشدد في التجمعات والحركات الإسلامية) . وأنتم تشيرون تكراراً, في رسالتكم, إلى أن لجوء الولايات المتحدة إلى القوة العسكرية في مواجهة المجموعات الإسلامية يزيد من حدة هذا التبدل. وتشددون خصوصاً على أن إسرائيل والدعم الأميركي لها هما السبب الجوهري لكل المسائل التي تناقشونها في رسالتكم تقريباً.
ونحن ندرك أن السياسة الأميركية ذات تأثير مهم في أنحاء العالم, سلباً وإيجاباً, وندرك أيضاً أنكم تختلفون مع هذه السياسة اختلافاً مبدئياً في موضوع الدعم الأميركي لإسرائيل. وهذه أمور تستحق بالفعل المناقشة, ويمكن الاختلاف فيها بصدق وإخلاص.
وكثيرون منا, وربما كان بعضكم, عند التطلع قدماً, يأملون بأن يستتب الحل المقبل على دولتين, إسرائيل وفلسطين, كل منهما بمقومات الاستمرار والبقاء, وبالتجاور الآمن المسالم, لما فيه خير الشرق الأوسط وخير العالم أجمع.
لكننا في الوقت نفسه نطلب منكم أن تعيدوا النظر في التوجه السائد في رسالتكم والذي يلقي اللوم في المشاكل التي يواجهها مجتمعكم, على الجميع إلا قادتكم ومجتمعكم. فبعض القادة السياسيين يجد فائدة في بعض الأحيان في اللجوء إلى إثارة البغض إزاء (الآخر) أو (العدو) , وذلك في سبيل تحويل أنظار الجمهور عن المشاكل الفعلية القائمة. ونحن ندعوكم, بصفتكم مثقفين, إلى إعادة النظر في ما إذا كان السبيل إلى التصدي للتحديات الملحة التي يواجهها مجتمعكم - من البطالة إلى غياب الحريات الديموقراطية وعدم النجاح في تحقيق اقتصاد عصري متنوع, واحتضان العنف الإسلاموي وتصديره - هو اللجوء إلى إلقاء اللوم على الآخرين من أفراد وأمم.