فهرس الكتاب

الصفحة 5591 من 27364

وأنه حتى الذين لم يصرحوا برفض الإسلام، ولم يجاهروا بإلحادهم وتحدثوا عن إمكانية وجود ما للإسلام، فإن الإسلام الذي يتحدثون عنه، ليس هو الإسلام الذي أنزله الله عز وجل على صلى الله عليه وسلم وقال عنه {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} (1) . {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (2) .

وإنما إسلام جديد يخترعونه منفتح - كما رأينا - وغير مغلق، وغير مكتمل، بعكس ما أراده الباري عز وجل: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} (3) . إنه امتداد لما سمي بدين العقل أو الدين الطبيعي كما طرحه فلاسفة النهضة الأوربيين واستعاضوا به عن المسيحية، وهكذا يسلك العلمانيون العرب درب أساتذتهم فيما يخص علاقتهم بالإسلام، فالإسلام الجديد العصري المستنير ليس من الضروري أن يقوم على خمسة أركان هي «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» .

فالشهادتان في الدين العلماني الجديد ليس لهما مدلول إيماني لأنه"في حقيقة الأمر وطبقاً لمقتضيات العصر لا تعني الشهادة التلفظ بهما أو كتابتهما، إنما تعني الشهادة على العصر... ليست الشهادتان إذن إعلاناً لفظياً عن الألوهية والنبوة، بل الشهادة النظرية والشهادة العملية على قضايا العصر وحوادث التاريخ" (4) .

أما الجزء الثاني من الشهادة فليس من الإسلام لأنه أضيف إلى الأذان فيما بعد إذ كان الإسلام في البداية دعوة إلى لقاء لكل الأديان (5) .

-والصلاة مسألة شخصية (6) ، وليست واجبة (7) ، وفرضت أصلاً لتليين عريكة العربي، وتعويده على الطاعة للقائد (8) ، وتغني عنها رياضة اليوغا وهو ما غفل عنه الفقهاء (9)

-والزكاة أيضاً ليست واجبة وإنما هي اختيارية (10) ، كما أنها لا تؤدي الغرض لأنها تراعي معهود العرب في حياتهم التي كانوا عليها"فهي تمس الثروات الصغيرة والمتوسطة أكثر مما تمس الثروات الضخمة... ولم توضع للحد من الثروات الكبيرة القائمة على الربح المرتفع، فهذه لم تكن معهود العرب زمن النبوة... ولذلك فالزكاة وحدها لا يمكن أن تنال شيئاً من الفوارق الطبقية الكبيرة لأنها وضعت أصلاً لمجتمع ليس فيه مثل هذه الفوارق الطبقية الكبيرة" (11) . إن الزكاة مقدمة يحثنا فيها الإسلام على الوصول إلى الشيوعية المطلقة (12) .

-والصوم كذلك ليس فرضاً وإنما هو للتخيير (13) ، وهو مفروض على العربي فقط، لأنه مشروط بالبيئة العربية ولذلك فالصوم بالنسبة للمسلم غير العربي مجرد دلالة وعبرة دينية (14) . بل إن الصوم يحرم على المسلمين في العصر الحاضر لأنه يقلل الإنتاج (15) .

-أما الحج كذلك فهو من الطقوس الوثنية الميثية العربية القديمة التي أقرها الإسلام مراعاة لحال العرب (16) وما هو إلا تعبير عن الحنين إلى أسطورة العود الأبدي (17) ، وإعادة إحياء لتلك التجربة الجنسية الدينية المقدسة التي تمت بين آدم وحواء، والحج العربي العاري في الجاهلية يؤكد المشاركة في الجنس بين الألوهية والبشر (18) . كما أن تحويل القبلة والحج تعبير عن الرغبة في تعريب الإسلام وتأكيد عروبيته (19) . وليس من الضروري أن يقام بطقوسه المعروفة إذ يغني عنه الحج العقلي أو الحج الروحي (20) .

وهكذا تُميَّع كل الشعائر الإسلامية وتعتبر طقوساً وثنية تحدرت إلى القرآن من البيئات والأمم السابقة والجاهلية (21) ، وقد مارس الفقهاء دورهم في تقنينها (22) بعكس الرسالة التي تميزت في هذا الشأن بمرونة ولكن الفقهاء ألغو هذه المرونة (23) . إن تحقيق الإسلام لمهمته الروحية قد يحصل دون أن تؤدى الطقوس والشعائر بالضرورة (24) فقد أصبحت المساجد أوكار الإرهاب (25) ، وبرزت معالم التخلف ومظاهره في تنامي التدين الشخصي كما هو واضح في صفوف المصلين، والحجاب واللحى (26) .

إن علامات الاستسلام تتجلى في ممارسة الشخص للصلاة والزكاة وهما عملان يقدمهما القرآن على أساس أنهما محض دينيين، ولكن لا يغيب عن أنظارنا أن لهما وظيفة حاسمة من حيث الدمج الاجتماعي والسياسي للفرد، ولهما وظيفة في كسر العصبيات والتضامنات التقليدية (27) ، ونحن اليوم مدعوون لإعادة النظر في الفرائض والعبادات وسؤال أهل الخبرة والاختصاص عن فوائد الصيام وأضراره اقتصادياً وصحياً (28) .

وهكذا يُطمس الإسلام الرباني الذي أُرسل بهمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويبرز الإسلام العلماني المخترع بأركانه الجديدة العصرية المفتوحة، والقابلة لكل الأفهام والتأويلات، والتي لم تتوقف عند هذا الحد، لأنه لا حدود يمكن الوقوف عندها في الخطاب العلماني.

ثانياً: الإيمان العلماني الجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت