فهرس الكتاب

الصفحة 5588 من 27364

فـ"لا يوجد إذن إسلام (ما هوي) قائم في ذاته بصرف النظر عن أنماط تحققه في الـ (هنا) و (الآن) ، لا يوجد إسلام جوهري حقيقي نموذجي، وإنما الإسلام هو ما طُبِّق في التاريخ" (44) ، وهو ما يعني أنه"لا يوجد إسلام في ذاته، وإنما لكل واحد تصوره المختلف للإسلام، وطريقته الخاصة في أدائه وممارسته" (45) "لا يوجد إسلام أصولي صحيح يمكن استعادته وتطبيقه التطبيق الأفضل" (46) ."ولأن التطبيق خيانة فإنه لا وجود لإسلام حقيقي أصولي يمكن العودة إليه، فالإسلام الحقيقي لم يوجد ولم يطبق لا في هذا الزمان ولا في صدر الإسلام، لأن حقيقة الإسلام هي محصلة تواريخه" (47) .

ولأننا لا يمكننا اليوم أن نحدد ما هو الإسلام الصحيح ولا يوجد أي معيار لتحديد ذلك (48) فإن مفهوم الإسلام يجب أن يبقى منفتحاً مستعصياً على الإغلاق لكي يقبل الخضوع للتغير المستمر الذي يفرضه التاريخ، فالإسلام لا يكتمل أبداً، بل ينبغي إعادة تحديده وتعريفه داخل كل سياق اجتماعي ثقافي، وفي كل مرحلة تاريخية معينة (49) .

وهذا هو معنى القراءة العلمانية للإسلام"أن لا نسلم بالمسلم به" (50) ، وأن نطرح مفهوماً موضوعياً للإسلام يتجاوز الأطروحات الأيديولوجية (51) ، ويخرج من الدائرة العقائدية المعيارية للإسلام الأرثوذكسي (52) .

ولكن هذا لا يعني بنظر أركون - متفضلاً !!- أن نحذف كل إشارة إلى الإسلام (53) ، وإن كان حسن حنفي يبخل علينا بهذا الفضل !! فيرفض حتى كلمة إسلام ويستبدلها بكلمة التحرر، لأن هذا اللفظ الأخير"يعبر عن مضمون الإسلام أكثر من اللفظ القديم" (54) .

خامساً - التورخة الهدمية الاجتثاثية

كيف يتم الوصول إلى هذا التجديد العلماني بشكل جذري وثوري؟

النقد الإيديولوجي هو وسيلتنا للتخلص من فكر العصور الوسطى لكي"نودع نهائياً المطلقات جميعاً، ونكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا" (55) . من أجل ذلك لا بد أولاً من انزياح هذه الأنظمة الكبرى المتمثلة في الأديان من دائرة التقديس والغيب، باتجاه الركائز والدعامات التي لا زال العلم الحديث يواصل اكتشافها (56) .

وانزياح المقدس يعني أن نخترق المحرمات وننتهك الممنوعات السائدة أمس واليوم ونتمرد على الرقابة الاجتماعية (57) ونخترق أسوار اللامفكر فيه وندخل إلى المناطق المحرمة (58) ، ونسعى إلى خلخلة الاعتقادات، وزحزحة القناعات، وزعزعة اليقينيات، والخروج من الأصول العقائدية (59) ، وإعادة النظر في جميع العقائد الدينية عن طريق إعادة القراءة لما قدمه الخطاب الديني عامة (60) ، ومراجعة كل المسلمات التراثية (61) ، وطرد التاريخ التقليدي من منظومتنا الثقافية لأنه بناء عتيق تهاوت منه جوانب كثيرة، فوجب كنس الأنقاض قبل الشروع في البناء (62) .

وتكريس القطيعة مع الماضي - كما فعل الغربيون - هو الحل وليس الإصلاح"لا أحد يتكلم أبداً عن التجديد بمعنى القطيعة والاستئناف، بل الجميع يدعو إلى الإصلاح والإحياء والعودة إلى حالة ماضية" (63) في حين المطلوب هو"اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثقافي" (64) لأنه كان وسيبقى سبب التخلف (65) لأنه قائم على ثقافة ماضوية، لفظية، عقيمة اجترارية، انتهازية، نفعية، محافظة، رجعية، تقليدية... الخ (66) . ولا يمكن أن تنهض الحياة العربية ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية للذهن العربي، وتتغير كيفية النظر والفهم التي وجهت الذهن العربي وما تزال توجهه (67) .

والوسيلة المجدية لذلك هي"هدم الأصل بالأصل نفسه"وإذا كان التغير يفترض هدماً للبنية التقليدية القديمة، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنما يجب أن يكون بآلة من داخله، وإن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته (68) . هذه الآلة ما هي إلا التأويل الباطني الغنوصي الذي ينفي النبوة الإسلامية ويقيم على أنقاضها دين العقل (69) .

(1) انظر: د. طيب تيزيني"النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة"ص 163، 164 وانظر لأركون"تاريخية الفكر العربي الإسلامي"ص 146، 202، 206 و رمضان بن رمضان"خصائص التعامل مع التراث الإسلامي لدى محمد أركون من خلال كتابه"قراءات في القرآن"ص 17."

(2) انظر: د. أركون"الفكر الإسلامي نقد واجتهاد"ص 63 وانظر:"العواصم من قواصم العلمانية"ص 211.

(3) انظر: د. طيب تيزيني"النص القرآني"ص 344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت