فهرس الكتاب

الصفحة 5573 من 27364

وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة ، ولا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام إذ تمت الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة وحسب ، بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية ،

أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة ( ) .

وفي فرنسا في القرن الثامن عشر أصبحت الكلمة تعني من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية:""المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة""أما من وجهة نظر المستنيرين فإن الكلمة تعني:""المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة"".

ولكن المجال الدلالي للكلمة اتسع وبدأت الكلمة تتجه نحو مزيد من التركيب والإبهام على يد هوليوك 1817 - 1906م الذي يعتبر أول من صاغ المصطلح بمعناه المعاصر ، وجعله يتضمن أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية ، وأراد هوليوك أن يُجنب المصطلح مصادمة الأديان فعرّف العلمانية بما يشير إلى الرغبة في الحياد فقال:""العلمانية: هي الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض" ( ) ."

ولكن مع ذلك إذا شئنا أن نربط العلمانية بفلسفة منظرها هوليوك فيمكن القول إن العلمانية قائمة على الشك أحياناً ، والإلحاد الصريح أحياناً أخرى ؛ لأن هوليوك كان ينفي عن نفسه تهمة الإلحاد ، ولكنه في نفس الوقت يعترف بعدم وجود أدلة كافية للإيمان بالله [عز وجل ] ( ) ، ويجهر أحياناً بأن الإله إنما هو"الحاضر المعيش" ( ) .

ويرجع أول استخدام لكلمة علمانية عند هوليوك إلى شهر ديسمبر سنة 1846 م عندما أوردها في مقال نشره في مجلة"ذي ريزونور"أي"المجادل العقلاني"، والسبب أنه شعر مع بعض زملائه وأسلافه مثل"توماس بين"و"ريتشارد كارليل"و"روبرت تيلور"أن المسيحية لم تعد مقبولة لدى أكثر فئات المجتمع ، وقد مست الحاجة إلى استبدالها بمبدأ حديث فكان هو"العلمانية"وقد سماها أتباع روبرت أدين بـ"الدين العقلاني" ( ) . وهنا نتذكر ما تحدثنا عنه في التمهيد مما سمي"دين العقل"أو"الدين الطبيعي".

أسس هوليوك في عام 1855 م"جمعية لندن العلمانية"وفي ديسمبر من نفس العام تحولت الحركة العلمانية إلى تيار واسع النطاق ، وتزايد انتشارها بين عامي 1853 - 1854 م ، مما دفع القس بردين جرانت إلى التصدي لها في كل أنحاء إنكلترة مفنداً ومجادلاً .

ولكن ازداد توزيع مجلة"الريزونور"العلمانية إلى خمسة آلاف نسخة ، وانتشرت الجمعيات العلمانية في جميع أنحاء بريطانيا ومن أبرزها"جمعية لستر العلمانية"و"جمعية بولتون العلمانية"وجمعيات أخرى في سائر أنحاء البلاد ( ) .

وكان لجهود تشارلس برادلاف 1833 - 1894 م دوراً كبيراً في ترسيخ المبادئ العلمانية الجديدة ، وإضفاء طابع الإلحاد عليها ، وذلك عندما استلم رئاسة جمعية لندن العلمانية سنة 1858 م بدلاً من هوليوك ، واشترك سنة 1860 م في تحرير مجلة"المصلح القومي"التي حلت محل سابقتها"الريزونور"وأسس الجمعية العلمانية القومية سنة 1866 م ( ) .

اندثرت مجلة"المصلح القومي"سنة 1881 م لتحل محلها مجلة"المفكر الحر"التي زادت من جرعتها الإلحادية ، فكانت لا تكف عن الاستهزاء بالأناجيل ، والسخرية من الذات الإلهية ، إلى درجة أنها طالبت بمحاكمة أصحاب الأناجيل الأربعة لأنهم يجدفون على الله [عز وجل ] فهم يقولون بأن الله [عز وجل ] ، ضاجع عذراء يهودية وأنجب منها طفلاً غير شرعي أسماه المسيح ( ) .

خامساً - خلاصة الرؤية الغربية العلمانية:

في الواقع إننا لا نعرض هنا خلاصة لأن الخلاصة كانت هي ما عبرت عنه دوائر المعارف والمعاجم ـ كما رأينا ـ ولكن يمكن اعتبار ما نذكره هنا على أنه تأكيد للخلاصة ، أو أنه خلاصة الخلاصة ، وهو ما سنحتاجه عندما نختار تعريفاً للعلمانية .

لقد رأى بعض القسيسين أن العلمنة في الأصل تحوُّل المعتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية عن البشر والعالم ولا سيما من منظور بروتستانتي ( ) . ولكن عالم اللاهوت الهولندي"كورنليس فان بيرسن"يوضح ذلك بشكل أكثر صراحة عندما يقرر بأن العلمانية تعني:""تحرر الإنسان من السيطرة الدينية أولاً ، ثم الميتافيزيقية ثانياً على عقله ولغته"ويفصل أكثر بقوله:"إنها تعني تحرر العالم من الفهم الديني ، وشبه الديني ، إنها نبذ لجميع الرؤى الكونية المغلقة ، وتحطيم لكل الأساطير الخارقة، وللرموز المقدسة … إنها تخليص للتاريخ من الحتميات والقدريات، وهي اكتشاف الإنسان أنه قد تُرك والعالَم بين يديه، وأنه لا يمكن بعد الآن أن يلوم القدر أو الأرواح الشريرة على ما تفعله بهذا العالم، إنها تعني أن يدير الإنسان ظهره لعالم ما وراء الطبيعة، وأن يولي وجهه شطر هذا العالم أو"الهنا"وأن يحصر نفسه في الزمن الحاضر"" ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت