""العلمانية نظام أخلاقي مستقل مؤسس على مبادئ من الخلق الطبيعي ، مستقل عن المظهر الديني أو الفوق طبيعي ، إنها عرضت لأول مرة في شكل نظام فلسفي بواسطة جورج جاكوب هوليوك حوالي سنة 1846م في إنكلترة ، إنها سلمت لأول مرة بحرية الفكر ، وبأن من الحق لكل إنسان أن يعتقد بنفسه ما يريد ، وطبقاً لهذا التسليم ، وكتتمة ضرورية له يكون من الحق أن يكون هناك اختلاف في الرأي حول كل الموضوعات العقائدية ، هذا الحق في اختلاف الرأي لا يتفق بدون حق تبرير ومناقشة ذلك الاختلاف ، أخيراً: العلمانية تؤكد الحق في مناقشة ومجادلة كل الأسئلة الحيوية مثل المعتقدات المعتبرة أسس الالتزام الأخلاقي مثل: وجود الله [عز وجل ] وخلود الروح ، وسلطة الضمير . العلمانية: لا تعني أنه لا يوجد خير آخر ، لكن الخير في الحياة الحاضرة ، إنها تعني أن الخير في الحياة الحاضرة هو الخير الحقيقي ، ويُبحث عنه لأنه الخير ، إنها تهدف إلى إيجاد وضع مادي يكون فيه من المستحيل أن يوجد معدم أو فقير ، إنها تؤكد القوى المادية في هذه الحياة ، التي لا يمكن إهمالها دون الوقوع في حماقة أو مضرة ، ومن الحكمة والرحمة والواجب الاعتناء بها ، إنها لا تمانع المعتقدات المسيحية ، إنها تقول: إنه لا يوجد هاد أو منقذ في هذه الطبيعة بالأحرى إنها تعني: أن الرشد أو المنقذ يوجد في الحقيقة العلمانية التي تملك من المصادفات والتجارب ما يجعلها مستقلة ، فالسلوك الإنساني مستقل إلى الأبد"" ( ) .
ونختم برؤية دائرة معارف الدين والأخلاق التي تقول:
""العلمانية توصف بأنها حركة ذات قصد أخلاقي منكر للدين ، مع المقدمات السياسية والفلسفية ، فهي مؤسسة بقصد إعطاء نظرية معينة للسلوك والحياة ، وهي تتبع في ذلك المذهب الوضعي الأخلاقي ، منذ أن تكفلت أن تعمل هذه دون الرجوع إلى الألوهية أو الحياة الآخرة ، ولهذا فقد كان مطلبها هو تتميم"إكمال"وظيفة الدين"العقيدة"خالية من الاتحاد الديني ، ولذلك فإنه يجدر بها أن تكون ديناً إنكارياً سلبياً"" ( ) .
ثالثاً - تعقيب:
نسجل في هذا التعقيب الملاحظات التالية:
الأولى: أن هناك اتفاقاً بين المعاجم ودوائر المعارف المشار إليها على أن العلمانية هي توجه دنيوي محض ، وتسعى لصرف الناس عن الاهتمام بالآخرة أو أي غيبيات ، وتدعوهم إلى الاهتمام بالعالم الحاضر ، والحياة المشاهدة ، وتكرس محبة هذا العالم لأن الخير الوحيد ، الحقيقي الذي يجب أن يُعترَف به هو في هذا العالم . أرجو أن نحتفظ بهذه الملاحظة معنا لأننا سنحتاجها قريباً .
الثانية: هناك اتفاق صراحة أو ضمناً على أن العلمانية مناهضة للأديان ، ومتقاطعة معها فهي تُحوّل المقدس إلى مدنس ، وتقلل من قيمة الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر .
لقد صرحت دائرة معارف الدين والأخلاق ، ودائرة المعارف البريطانية بأن العداء قائم بين العلمانية والأديان ، أما دائرة المعارف الأمريكية فلجأت إلى المراوغة مما أوقعها في التناقض فهي تقول: بأن العلمانية لا تمانع العقائد المسيحية ، ولا تنكر وجود خير آخر ، ثم تقول في نفس الوقت ، ولكن الخير الحقيقي في هذه الحياة الحاضرة ، وهو الجدير بالاهتمام والبحث وإذا كانت المسيحية تعتبر المسيح هو المنقذ والمخلص ، فإن الخلاص والغاية في نظر العلمانية هو في العلمانية القائمة على التجارب والمحسوس .
الثالثة: مهما حاولت العلمانية والعلمانيون المصالحة مع الأديان ، فإن هذا يبدو بعيداً ، لأن العلمانية القائمة في أساسها على رفض المبادئ الدينية ، وعدم الاعتراف بها كأسس للالتزام الأخلاقي ، بل ورفض كل الماورائيات التي تقوم عليها الأديان ، وتدعو إلى إقامة الأخلاق والحياة الاجتماعية والسياسية على أسس وضعية نسبية وطبعية ، وهذا بحد ذاته بمثابة إعلان الحرب على الأديان ؛ لأن هذه تطرح نفسها على أنها الحقيقة المطلقة .
الرابعة: نلاحظ أن العلمانية التي تقوم على محاربة احتكار الحقيقة ، وتندد بـ"ملاك الحقيقة المطلقة"تقع هي نفسها في هذا الاحتكار والتملك فهي كما تشير دائرة معارف الدين والأخلاق تطرح نفسها على أنها: دين سلبي إنكاري ، وهي كما أشارت دائرة المعارف الأمريكية ترى الخلاص الوحيد والحقيقة المطلقة في العلمانية .
الخامسة: إن ما قرأناه من تعريفات وتفسيرات في المعاجم ودوائر المعارف يمكن اعتباره خلاصات مضغوطة للتمهيد الذي عرضناه لبيان الجذور التاريخية والفكرية للعلمانية ، ونتائج استقرت عليها الرؤية في الغرب بشأن العلمانية .
رابعاً - تاريخ المصطلح وارتباطه بالمادية والإلحاد:
العلمانية ـ كما أشرنا ـ هي ترجمة لكلمة سكيولاريزم secula r ism الإنجليزية ، وقد استخدم مصطلح"سكيولار"لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 م عند توقيع صلح"وستفاليا"وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة ، وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد ظاهرة العلمانية في الغرب .