مفارقة أخرى هي أفدح مما سبق بكل تأكيد، وهي أن الكنائس الفرنسية والبريطانية -تحديدًا- كان لها موقف صارم ضد القانون الجديد، واتهام صريح له بأنه معاد للحريات الشخصية واعتداء على حرية العبادة عند المسلمين تحديدًا، في حين أن شيخ الأزهر وهو المؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي، يعطي مباركته للقانون ويمنح فرنسا كل الحق في فعل ما تشاء كيفما تشاء ولا دخل له ولا للمسلمين في ذلك، والرجل لم يكلف نفسه حتى مجرد دعوة الفرنسيين للمراجعة واحترام الحقوق، إنه لم يتعود على نقد الحكومة أي حكومة، اللهم إلا حكومة طالبان، فهي الحكومة الوحيدة التي جرؤ عليها في المشرق والمغرب، ولم يعتبر أن إدانته لها تدخل في حقوق الدول الأخرى، والحقيقة أن ادعاء الشيخ بأنه لا يتدخل في شؤون فرنسا هو مجرد محاولة هروب بالفضيحة، وإلا فإن الرجل لم يتدخل أصلاً حتى في بلده نفسه (مصر) عندما انتهكت قرارات حكومية رسمية حرية لباس الحجاب للفتيات في المدارس، فلم يصدر عن الرجل أي شيء، كذلك عندما قامت مدرسة فرنسية -في مصر- بطرد فتيات بسبب ارتدائهن الحجاب، وجأر أهلوهن بالشكوى للجميع، لم ينطق شيخ الأزهر بكلمة واحدة.. فحكاية التدخل في الشأن الفرنسي هو محض هروب، وإلا فمتى تدخل حتى في مصر ذاتها؟!
النقطة الثالثة: وهي تتعلق بالادعاءات بأن القرار الفرنسي لم يقصد به الحجاب، وإنما كافة الرموز الدينية، بما في ذلك الصليب والقلنسوة اليهودية، وهذا أيضا مجرد هروب من الفضيحة على المستوى الفرنسي، كما أنه دجل عندما يقول به كتاب عرب"متنورون". وذلك أن القرار استثني الصليب"غير الكبير"وهي مسألة نسبية، كما أن الإجماع منعقد على أن الحجاب ليس مجرد رمز ديني، مثل الصليب أو القلنسوة أو حتى بعض الرموز الدينية الإسلامية التي يتحلى بها النساء مثل المصحف المذهب وما يسمى"كف فاطمة"أو الـ"ماشاء الله"كما يسميها أهل المشرق، وإنما الحجاب فريضة دينية، أي جزء من الدين، بحيث يكون الاعتداء عليه هو اعتداء على صميم الدين وليس على مجرد شعار أو رمز، ثم إن الملاحظة المهمة في هذا السياق أن الصلبان والقلنسوات كانت موجودة ومنتشرة من قبل ولم يتحدث أحد عنهم بشيء ولم يتعرض لهم أحد بانتقاد، فلماذا تذكرها القرار الجديد؟ اللهم إلا كمحاولة للتمويه على المقصد الأساس وهو مصادرة حجاب المرأة المسلمة، فضموا ما سبق للادعاء بأن الحجاب لم يكن هو المقصود وحده في الموضوع، أبدا، الحجاب هو المقصود؛ فالمعارك كلها كانت حوله، والقضية المثارة من أولها لآخرها حوله، والجدل والصخب كله كان عنه، فلا داعي للهروب بادعاء الحديث أيضًا عن منع"الصلبان الكبيرة".
النقطة الرابعة: وتتعلق بحماية الفتوى الشرعية من العبث والتهريج، وضرورة البحث عن آليات لحفظ"الدين"من العبث، ليس على مستوى الأفراد، وإنما أيضًا على مستوى المؤسسات، إن الاتهامات الآن صارخة وصريحة بأن الفتاوى من المؤسسات الرسمية أصبحت تخرج وفق توجيهات سياسية، والفتاوى يتم تفصيلها حسب المقاس المطلوب، وهذه كارثة، وتعريض دين الناس للضياع، كما أنه يؤسس لفتن لا يعلم مداها إلا الله؛ لأن الثقة إذا فقدت في مؤسساتنا الدينية الكبيرة وذات الاحترام والهيبة في وجدان المسلمين وضميرهم؛ فسوف يحدث فراغ علمي كبير، لا يؤمن أن يملأه آخرون بما تشتهي الأنفس، من أول تخريب العقائد وحتى الترويج للتطرف والإرهاب الذي يفرون منه الآن.
ولقد قرأت - في نفس النازلة- مقالاً لكاتب عربي نشره في صحيفة"الشرق الأوسط"اللندنية قال فيه: إن على الفتيات الفرنسيات إطاعة القانون الجديد عملاً بالآية الكريمة (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، وأضاف الكاتب الجهبذ أن"جاك شيراك"هو ولي الأمر الحالي بالنسبة لهن!، وأظن أن الوقت لن يمر طويلاً حتى نقرأ في صحف عربية لمن يرى أن"جورج بوش"وإدارته هم أولو الأمر بالنسبة لنا أيضًا!
إن الأمانة تقتضي منا الآن أن نبادر إلى حملة واسعة للدعوة إلى إعادة الهيبة والكرامة لمؤسساتنا الدينية، وذلك يكون -أول ما يكون- بحماية استقلالها العلمي والإداري والمالي والتنظيمي، بحيث نضمن عدم خضوعها لمؤثرات السلطات السياسية هنا أو هناك، وبحيث نعزز مصداقية ما يصدر عنها من فتاوى وتوجيهات.
والجانب الآخر هو ضرورة إعادة النظر في قضية فتاوى الشأن العام، التي تتعرض لأمور تمس الأمة كلها أو الجموع الغفيرة فيها، وقد تتحدد فيها مصائر، فمثل هذه الفتاوى لا بد من قيد صدورها على مجامع علمية محترمة ومستقلة، تتناول القضايا بالنظر والتشاور والحيادية، وتخرج الفتوى وفق إجماع أهل العلم أو جمهورهم.