فهرس الكتاب

الصفحة 4899 من 27364

لا إله إلا الله، ويقيموا الشعائر التي يمن دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها؟ ! ! وما الفرق بين قول قريش: (يا محمد: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة) ، وبين قول العلمانيين -لفظاً أو حالاً-: نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المجالس التشريعية والبرلمان وفي القضاء والتجارة والسياسة؟ أهو شيء آخر غير أن قسمة أولئك زمنية، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية؟ يقول ابن كثير - رحمه الله -في تفسير قوله - تعالى: (أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) : » ينكر الله - تعالى -على من خرج عن حكم الله المُحْكم، المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) - وهو عبارة عن: كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير « [4] .

وبناء على ما سبق يتضح أن تلك الشبهة، شبهة التلفظ بالشهادة وإقامة بعض الشعائر لا وزن لها ولا اعتبار، ذلك لأنه بعد أن نجحت الجاهلية -مؤقتاً- في تنحية شرع الله من أن يحكم حياة المسلمين في ديارهم، وحاول أعداء الإسلام إخراج المسلمين عن أصل دينهم إلى المذاهب الإلحادية والمادية، وبعد أن فشلوا في تنفيذ هذا المخطط وأصابهم اليأس من ذلك لجأوا -بعد التفكير والتدبير- إلى ما هو أخبث وأخطر؛ لجأوا إلى: اصطناع أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، وفي الوقت نفسه هي تدعي الإسلام وتظهر احترام العقيدة، فقتلوا إحساس الجماهير، وضمنوا ولاءها، وخدَّروا ضميرها، ثم انطلقوا يهدمون شريعة الله في مأمن من انتفاضتها.

ولذلك لا يجرؤ أرباب هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية على التصريح بأنهم ملحدون أو لا دينيون، أو أنهم ضد شريعة الله، بينما يصرحون -مفتخرين- بأنهم ديمقراطيون مثلاً.

وتبلورت مقالات العلمانيين وأفكارهم التي تعبر في جوهرها عن حقيقة الجاهلية، ولكنها وبخبث شديد وتدبير محكم تحاول أن تنتسب إلى الدين بتبجحٍ غريب ومكرٍ وضيع، وذلك حتى لا ينفر من هذه الأفكار جمهور المسلمين، فهم يريدون أن تسري العلمانية ببطء في عقول ونفوس جمهور المسلمين سريان السم البطيء الذي يودي بحياة صاحبه دون أن يتنبه له جسده.

أنواع من الجاهليات: وهذه الرؤية تفيدنا في تقدير موقفنا، وفي تحديد طبيعة الدعوة الإسلامية كذلك يجب أن نعلم أن الجاهلية بعضها يتمثل في إلحاد بالله - سبحانه - وإنكار لوجوده..

فهي جاهلية اعتقاد وتصور كجاهلية الشيوعيين، وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله - سبحانه - وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الاتباع والطاعة، كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم..

وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك.

وبعضها يتمثل في اعتراف بوجود الله - سبحانه - وأداء للشعائر التعبدية، مع انحراف خطير في تصور دلالة شهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ، ومع شرك كامل في الاتباع والطاعة، وذلك كجاهلية من يسمون أنفسهم (مسلمين) من العلمانيين، ويظنون انهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية، مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين، ومع استسلامهم لغير الله من العبيد..

وكلها جاهلية.. وكلها كفر بالله كالأولين.. أو شرك بالله كالآخرين.

والعلمانية الديمقراطية تجعل العقيدة والشعائر لله وفق أمره، وتجعل الشريعة والتعامل لغير الله وفق أمر غيره.. وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله.

لأن الدارس لعقائد الجاهلية العربية يجد -من أول وهلة- أنها لم تكن تنكر وجود الله أبداً، بل كانت توحده في معظم أفعاله - تعالى -، كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، (ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25] .

وكانوا يقرون بمشيئة الله النافذة في الكون وقدره الذي لا يرد؛ (سَيَقُولُ الَذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا ولا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ) [الأنعام: 148] ، وأنه يدبر الأمر، (ومَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) [يونس: 20] ..

وكانوا يؤمنون بالملائكة، (وَقَالَ الَذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ) [الفرقان: 31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت