لابد من عبودية إما لله وإما لغيره: قال ابن تيمية - رحمه الله - في رسالة العبودية: » إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله « [3] وكل عبودية لغير الله كبرت أو صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان، (أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس: 60، 61] ، يشمل ذلك العرب الذين قال الله - تعالى -فيهم: (إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إنَاثاً وإن يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) [النساء: 117] ، ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ.
لقد تغيرت ولاشك بعض مظاهر العبادة فلم يعد هناك تلك (الإناث) التي كان العرب في شركهم يعبدونها ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والقومية والعلمانية والحرية الشخصية والجنس... الخ.
عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية، تضفي عليها القداسات الزائفة، وتُعبد من دون الله، ويُطاع أمرها في مخالفة الله وفي تغيير خلق الله، وما تغيرت إلا مظاهر العبادة (تطورت) ! ! ولكن الجوهر لم يتغير، إنه عبادة الشيطان.
وعلى ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى الطاغوت والعبادة يتضح لنا المعنى الحقيقي لشهادة (لا إله إلا الله) الذي هو -كما سبق-: الكفر بالطاغوت، وإفراد الله - تعالى -وحده بالعبادة.
وانطلاقاً من هذا المفهوم -الذي يعتبر في حقيقة الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة عند أهل السنة والجماعة-؛ نستطيع أن نرى حكم الإسلام في العلمانية بسهولة ووضوح ونستطيع أن نصل بالقضية إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة اللازمين لفضح العلمانية ومواجهتها..
إن العلمانية باختصار: نظام طاغوتي جاهلي كافر، يتنافى ويتعارض تماماً مع شهادة (لا إله إلا الله) من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:
أولاً: من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله.
ثانياً: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.
إن العلمانية تعني -بداهة-: الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعة الله، وقبول الحكم والتشريع والطاعة والاتباع من طواغيت أخرى من دون الله، فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين، ومن ثم فهي -بالبديهة أيضاً- نظام جاهلي، لا مكان لمعتقده ولا لنظامه ولا لشرائعه في دائرة الإسلام، بل هو كافر بنص القرآن الكريم: (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ) [المائدة: 44] ، فهل يبقى بعد هذا مجال للشك أو التردد في الحسم والوضوح اللازمين في نفوس أهل السنة اليوم تجاه العلمانية؟ الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والقلوب، و الغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة؛ هذا وذاك هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم.
فمن هذه الشبهات: استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقهما الله - تعالى -عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، بذريعة أن هذه الأنظمة -لاسيما العلمانية الديمقراطية- لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة شعائر التعبد، وبحجة أن بعض أفراد الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة، ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام وحج وصدقة، ويحترمون من يسمونهم برجال الدين (! ) ، ويحترمون المؤسسات الدينية.. الخ.
وفي ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة يستصعب بعض الناس - ومنهم للأسف الشديد بعض من يرفع راية الدعوة الإسلامية اليوم- القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة كافرة جاهلية، وأن المؤمنين بها المتبعون لها جاهليون؟ ومن الواضح أن الذين يلوكون هذه الشبهات لا يعرفون معنى (لا إله إلا الله) ، ولا مدلول (الإسلام) ، وهذا على فرض حسن الظن بهم، وهو ما لا يجوز في حق كثير من المثقفين، وبالذات بعض الذين يرفعون راية الدعوة الإسلامية اليوم ويتعللون بهذه العلل الواهية.
إن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراع أهل السنة والجماعة المرير عبر القرو ن، وإن القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ومثله السنة المطهرة لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها.
هل تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين سنة متوالية؟، وهل نزل القرآن الكريم موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين من أجل أن يقول الجاهليون باللسان فقط..