فماذا فعلت العلمانية بهذه الثوابت؟ إن الأنظمة العلمانية تبيح الزنا برضا الطرفين، والمتشدد منها يشترط موافقة الزوج أو الزوجة.. والكثير منها يبيح اللواط للبالغين.. وكلها يبيح الخمر والخنزير.
فأما الزنا برضا الطرفين فنجد مثلاً أن قانون العقوبات في مصر والعراق يؤكد على أن الزنا إذا وقع برضا الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما، وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن.. [3] .
والأفعال التي يحرّمها قانون العلمانية في جرائم العرض، إنما يحرمها لكونها تشكل اعتداء على الحرية الجنسية فحسب، وليس باعتبارها أمراً يغضب الله ويحرّمه الدين،..
ولذلك فإن الدعوى الجنائية في جريمة الزنا مثلاً لا تتحرك إلا بناء على شكوى الزوج، وللزوج الحق في التنازل عن الشكوى بعد تقديمها، وبالتالي تنقضي الدعوى الجنائية، وتوقف إجراءات التحقيق..
بل للزوج حق وقف تنفيذ العقوبة! ! وهكذا تبيح العلمانية الزنا، وتهيئ له الفرص، وتعد له المؤسسات، وتقيم له الحفلات في الملاهي والمسارح....
وأما الربا فهو عماد الاقتصاد العلماني، تؤسس عليه البنوك، وتقدم به القروض بل ويدخل الناس فيه كرهاً..
ومن شاء فليراجع المواد 226 - 233 من القانون المدني المصري، والتي تنص على الفوائد والقواعد المتعلقة بها، تلك المواد التي تحِل بها العلمانية ما حرّمه الله - سبحانه - بقوله - عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ورسوله..) [البقرة: 278-279] وهذه الآيات نزلت في أهل الطائف لما دخلوا الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، وكانوا لا يمتنعون عن الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا..
فإذا كان هؤلاء محاربين لله ولرسوله فكيف بمن يقيمون للربا بنوكاً، ويعطون للتعامل به الشرعية الكاملة..
؟ … وأما الخمر فإن النظم العلمانية تبيح شربها، وتفتح المحلات لبيعها والتجارة بها، وتجعلها مالاً متقوماً يحرم إهداره، بل تنشئ لإنتاج الخمور المصانع وتعطي على الاجتهاد في إنتاجها جوائز للإنتاج! ! وهكذا فإن العلمانية تحل شرب الخمر وبيعها وعصرها.. فتحل ما حرم الله.. وتحرّم إهدارها والإنكار على شاربها.. فتحرم ما أحل الله..
فالعلمانية تحل ما حرّم الله، وتحرّم ما أحل الله..
وليس هذا في الزنا والربا والخمر فقط، أو في الحدود والتعزيرات فقط، أو في مادة أو أكثر من مواد القانون الوضعي العلماني..
بل إن قضية تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله هي قضية النظام العلماني بأكمله، وبجميع جوانبه المختلفة..
ولما كان تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله..
كفراً لمن فعله، ومَنَ قَبِله؛ فلا بد لنا لنبقَى مسلمين من رفض هذا الكفر..
ورفض العلمانية التي تقوم عليه.
ونحن نرفض العلمانية لأنها:
2 -كفر بَواح:
العلمانية كما قلنا هي قيام الحياة على غير الدين، أو فصل الدين عن الحياة، وهذا يعني بداهة الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعته - سبحانه -، وقبول الحكم والتشريع من غير الله..
ولذلك فإن العلمانية(هجر لأحكام الله بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في الشريعة.
بل لقد بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تعطيل حكم الله وتفضيل أحكام القانون الوضعي على أحكام الله المنزلة..
وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان وعلل وأسباب انقطعت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها) [4] .
وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت القوانين والأحكام التي تعلو أغلب ديار الإسلام هي قوانين(تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه،..
حتى لو كان في بعضها ما لا يخالف الإسلام فإن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوروبا ولمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه) [5] ....
وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين من مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد المسلمين إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، حتى لو وافق الصواب حيث قال: (ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبت له معرفته، كانت موافقته للصواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة والله أعلم وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه) [6] .
وإذا كان هذا هو حكم المجتهد في الفقه الإسلامي على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت من أدلة الكتاب والسنة حتى ولو وافق الصواب..