ولماذا نذهب بعيداً ؟ لقد حدث بالفعل أن حكم قاضٍ بالجلد في جريمة سكر، متأولاً هذه المادة من الدستور... فماذا كانت النتيجة ؟
لقد أُبِطل حكمه ، وأقصي عن القضاء . وكان مما ذكره رئيس محكمة الاستئناف في أسباب بطلان هذا الحكم ما يلي:
1-إن من قضى بذلك فقد حنث في يمينه القضائي الذي أقسم فيه على الحكم بالعدل واحترام القوانين،... والعدل كما يقول رئيس محكمة الاستئناف: يعني أن يقضي القاضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملائمة في حدود القانون المطبق.. ثم يضيف قائلاً: فقضاء المحكمة بقانون آخر غير القوانين المطبقة في ذلك حنث باليمين ، فما بالك بمن طبق أو يخترع قانوناً يعلم أنه غير معمول به!!
2-...وجنائياً لا يجوز ، ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلاً لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له ولا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص القانون عليها .
3-إن مصدر هذا القانون لم يعرف شيئاً عن علم العقاب ، فقد (شدد) المشرّع الوضعي في العقوبة وجعلها ستة أشهر حماية للمجتمع، وهذا أحفظ من مجرد الجلد ثمانين جلدة. (10)
أرأيت - أخي المسلم - إن هذه العلمانية ترى أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية .. وأن القاضي الذي حكم بالجلد لم يعرف شيئاً عن علم العقاب.. وهكذا.. وكأن القوم يقولون إن الله - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً -لا يعرف شيئاً من علم العقاب عندما أكتفى بمجرد الجلد على السكر... سبحانك هذا بهتان عظيم .
ومن الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ، ويحكم فيهم خيراً مما يشرع لهم ويحكم فيهم ربهم سبحانه؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض ؟.. أيستطيع أن يقول إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بالناس ومصالح الناس من إله الناس ؟... أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله خاتم النبيين ، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ويجعل شريعته شريعة الأبد ، كأنه سبحانه يجهل أن أحوالاً ستطرأ، وأن حاجات ستجد وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه ، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان!!! ما الذي يستطيع أن يقوله... وبخاصة إذا كان يدعي الإسلام؟
إنه مفرق الطريق ، الذي لا معدي عنه من الاختيار..
إما إسلام ، وإما جاهلية... إما حكم الله ، وإما حكم الجاهلية..
وهذه العلمانية التي وصفنا حالها ، ورأينا واقعها ليست يقيناً حكم الله القائم على الكتاب والسنة... فماذا تكون إلا حكم الجاهلية؟ قال تعالى:
(( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) )
فجعل الله الحكم حكمين لا ثالث لهما: حكم الله... وهو الحكم القائم على الكتاب والسنة،.. وحكم الجاهلية.. وهو ما خالف ذلك (11)
إذن فالعلمانية هي...حكم الجاهلية .
* يتبع *
المصادر:
1-وهل الدنيا والآخرة طريقان منفصلان؟ وهل هذه لإله وتلك لإله؟ وهل الإله الذي يحكم الدنيا غير الإله الذي يحاسب الناس يوم القيامة ؟
2-العلمانية - سفر بن عبد الرحمن الحوالي ص 21-24.
3-حول تطبيق الشريعة محمد قطب ص 112
4-العلمانية - سفر بن عبد الرحمن الحوالي ص 648-649
5-حول تطبيق الشريعة محمد قطب ص 107
6/7- راجع كتاب مدخل دستوري للدكتور سيد صبري
8-العبودية - ابن تيمية ص 6
9-صحيفة الأهرام - عدد الخميس 29 جمادي الأول 1402
10-مأخوذ من كتاب - أحكام إسلامية إدانة للقوانين الوضعية - محمود غراب
11-في ظلال القرآن - سيد قطب 2/905
لا شك أن العلمانية - كما عرضنا - لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله (الإسلام) ..
فهي من ذلك النوع من الاتجاهات والأفكار التي قال عنها علماؤنا قديماً: إن تصوره وحده كاف في الرد عليه.. [1] .
والإسلام والعلمانية طريقان متباينان، ومنهجان متغايران..
طريقان لا يلتقيان ولا تقام بينهم قنطرة اتصال..
واختيار أحدهما هو رفض للآخر..
ومن اختار طريق الإسلام..
فلابد له من رفض العلمانية..
هذه بديهية من البديهيات التي يعد إدراكها - فيما نحسب - نقطة الانطلاق الصحيحة لتغيير واقع الأمة الإسلامية،..
ويعد غيابها السبب الأول لبقاء هذه الأمة ألعوبة في يد العلمانيين يجرُّونها إلى الهلاك بكل مهلكة من القول والعمل، ويزيدونها غياً كلما اتبعتهم في طريق الغيّ..
طريق العلمانية..
ولأن إدراك هذه البديهة على هذا القدر من الأهمية، فل بد من التفصيل فنقول: نحن نرفض العلمانية لأنها:
1 -تحِل ما حرّم الله:
(إذا كانت الشريعة مُلْزِمة من حيث المبدأ، فإن داخلها أحكاماً ثابتة لا تقبل التغيير، وأحكام عامة ثابتة في ذاتها، ولكنها تقبل أن تدخل تحتها متغيرات ومن بين الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا يدخل تحتها متغيرات..
أحكام العبادات كلها، والحدود وعلاقات الجنسين..) [2] .