…من هنا كانت هذه الرسالة الموجزة عن ( العلمانية وثمارها الخبيثة ) في بلاد المسلمين ، لعلها تُؤتي ثمارها في تبصير المسلمين بحقيقة هذه الدعوة ، ومصادرها ، وخطرها على ديننا ، وآثارها المميتة ، حتى نسارع في التحصن منها ، ومقاومتها ، وفضح دُعاتها ، والقضاء عليها - بإذن الله - حتى نعود إلى ديننا ، وتعود لنا العزة كما كانت ، { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } .
نسأل الله من فضله التوفيق والإرشاد والسداد .
محمد شاكر الشريف
مكة المكرمة……
ما هي العلمانية ؟!
…سؤال قصير ، لكنه في حاجة إلى جواب طويل ، واضح وصريح ، ومن الأهمية بمكان أن يعرف المسلمون جوابًا صحيحًا لهذا السؤال ، وقد كُتِبَتْ - بحمد الله - عدة كتب في هذا المجال ، وما علينا إلا أن نعلم فتعمل .
…نعود إلى جوانب سؤالنا ، ولن نتعب في العثور على الجواب الصحيح ، فقد كفتنا القواميس المؤلفة في البلاد الغربية ، التي نشأت فيها العلمانية مؤنة البحث والتنقيب ، فقد جاء في القاموس الإنجليزي ، أن كلمة ( علماني ) تعني:
1-دنيوي أو مادي .
2-ليس بديني أو ليس بروحاني .
3-ليس بمترهب (1) ، ليس برهباني .
…وجاء أيضًا في نفس القاموس ، بيان معنى كلمة العلمانية ، حيث يقول: العلمانية: هي النظرية التي تقول: إن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية .
…وفي دائر المعارف البريطانية ، نجدها تذكر عن العلمانية: أنها حركة اجتماعية ، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب .
…ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية ، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد ، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
* إلحاد نظري .
* إلحاد عملي ، وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي (2) .
…وما تقدم ذكره يعني أمرين:
…أولهما: أن العلمانية مذهب من المذاهب الكفرية ، التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا ، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها ، بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه .
(1) الرهبانية عند النصارى نوع من العبادة التي ابتدعوها ، فقوله: ( ليس بمترهب ) يعني ليس بمتعبد ، وهي تقارب أو تناظر التعريفين الأول والثاني ، والنصارى لا ينظرون إلى الرهبانية على أنها بدعة كما ينظر إليها المسلمون ، بل يعتبرونها دينًا صحيحًا ، وعلى ذلك فقوله: ( ليس بمترهب ) ، ليس نفيًا للابتداع ، وإنما هو نفي للتعبد والتدين .
(2) ما ذكرنا هنا عن دائرة المعارف البريطانية ، والقاموس الإنجليزي ، استفيد من كتاب ( نشأة العلمانية ) للدكتور محمد زين الهادي .
…ثانيهما: أنه لا علاقة للعلمانية بالعلم ، كما يحاول بعض المراوغين أن يلبس على الناس ، بأن المراد بالعلمانية: هو الحرص على العلم التجريبي والاهتمام به ، فقد تبين كذب هذا الزعم وتلبيسه بما ذكر من معاني هذه الكلمة في البيئة التي نشأت فيها .
…ولهذا ، لو قيل عن هذه الكلمة ( العلمانية ) إنها: ( اللادينية ، لكان ذلك أدق تعبيرًا وأصدق ) ، وكان في الوقت نفسه أبعد عن التلبيس وأوضح في المدلول .
كيف ظهرت العلمانية
…كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة ، والتربة الخصبة ، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت ، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهورة هي أول دولة تُقيم نظامها على أسس الفكر العلماني ، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به - بما يتضمنه من إلحاد ، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة ، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته ، ومعاداة أهله - أقول لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه ، ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن يمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام - ، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف ، فبدلت وغيرت وأضافت وحذفت ، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المُبدَّل مع مصالح الناس في دنياهم ومعاملاتهم ، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة ، ولم تكتفِ الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل ، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به ، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين ، والمخترعين ، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل ، فاتهمت بالزندقة والإلحاد ، فقتلت من قتلت ، وحرَّقت من حرَّقت ، وسجنت من سجنت .
…ومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفًا غير شريف مع الحكام الظالمين ، وأسبغت عليهم هالاتٍ من التقديس ، والعصمة ، وسوَّغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم ، زاعمة أن هذا هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به .