فهرس الكتاب

الصفحة 4137 من 27364

تسمى الإدارة الأمريكية تدخلها في المجال الأمني الاستراتيجي في منطقتي آسيا الوسطى، والقوقاز"التزاماً"وقد تجلى هذا الالتزام في مشاركة القوات الأمريكية ضمن المجموعة العسكرية المتعددة الجنسيات من المنطقة. وتتلخص المساعدة الأمريكية في تقديم خبرات مسح الألغام وتوزيع المساعدات الإنسانية وحفظ السلام. وتنفي الولايات المتحدة خوض أي منافسة مع القوى الإقليمية فيما يتعلق بالرهانات الجيواقتصادية المتمثلة أساساً بالبترول والموارد الطبيعية الأخرى التي تزخر بها المنطقة وعلى رأسها أذربيجان؛ ولئن حاول تالبوت نفي هذه الحقيقة من خلال تركيزه على المستقبل (القرن 21) بدل الماضي (القرن 19.. مفهوم اللعبة الكبرى ظهر في نهاية القرن19 وهناك عدد من الباحثين يطلق هذا الوصف على الصراع الجيواستراتيجي حول ثروات المنطقة) وقد عززت تلك الحقيقة سلوكات الولايات المتحدة إزاء إيران وإلى حد ما روسيا .

وقد تدخلت الولايات المتحدة فيما يتعلق ببؤر النزاع في ثلاثة نزاعات:

النزاع الأرميني الآذري حول ناجورنو كاراباخ من خلال منظمة الأمن والتعاون الأوروبية وعبر مؤتمر مينسك ومن خلال أيضاً إرسال مبعوث أمريكي هو لين باسكو.

إلا أن التدخل الأمريكي كان لصالح أرمينيا التي لها جماعة ضغط في أوساط الكونجرس نجحت في سن قانون رقم 907 عنوانه قانون دعم الحرية؛ يمنع بموجبه على الإدارة الأمريكية تقديم أي دعم لحكومة أذربيجان مع العلم أن هذه الأخيرة هي المتضررة من الصراع وهي التي فقدت 15% من أراضيها وهجر حوالي 11% من سكانها أي ما يعادل 800 ألف أذري.

وقد اعترف تالبوت في خطابه بمساوئ القانون الذي حد من قدرة أمريكا على التأثير في صياغة القرار الأذري في أواسط التسعينيات (القانون صدر سنة 1992م إثر الحصار الأذري لأرمينيا ورداً على غزو هذه الأخيرة لأراضيها (إلا أننا نستدرك هنا أن أذربيجان برئاسة حيدر علييف عاودت الاتصال والتنسيق مع الولايات المتحدة؛ معتمدة على ثرواتها كوسيلة جذب.

النزاع الجورجي ـ الأبخاري دعمت أمريكا التسوية التي رعتها الأمم المتحدة وشجعت ـ حسب تالبوت ـ الرئيس شيفرنادزة على التشبث بالطرق الدبلوماسية في حل النزاع.

النزاع الطاجيكي ساهمت الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في رعاية الأمم المتحدة للتسوية التي أثمرت عدة اتفاقيات وتفاهمات انعقدت في كل من كابل وطهران وموسكو.

وفي مجال التعاون الإقليمي تدعم الولايات المتحدة التوجهات التركية المتمثلة في الاستثمارات الاقتصادية في كل من أذربيجان وتركمانستان وفي ربط صلات شاملة ثقافية وسياسية وثيقة تحت لواء النموذج العلماني ضد النموذج العقدي الذي تحمله طهران وتناضل من أجله الحركات الإسلامية الموجودة في جميع دول المنطقة بما فيها القوقاز الشمالي الخاضع للولاية الجغرافية لروسيا.

غير أن الملاحظ يستنتج أن هذا التحالف التركي الأمريكي أنتج تحالفاً مقابلاً هو التحالف الروسي ـ الإيراني بسبب حذر روسيا من تغلغل تركيا في المنطقة وهو ما توافقها عليه إيران.

وبخصوص السياسة الأمريكية إزاء روسيا وتخوفاتها فإن الولايات المتحدة تعتقد أن التخوفات الروسية مردها لروسيا ذاتها نظراً لهويتها التاريخية وللحالة النفسية الانتقالية التي تمر بها؛ ولعقيدتها الجيواستراتيجية التي تحدد قوتها وسلطانها الإقليمي مع ضعف واهتزاز ودونية الدول الأخرى الإقليمية إزاءها.

وفي هذا الاتجاه تنحو السياسة الأمريكية نحو ترسيخ وتعميق النزعات الاستقلالية والاعتماد الذاتي لدول مجموعة كومنولث الدول المستقلة وتعتقد أمريكا أن على روسيا أن تعيد تحديد مكانتها ودورها كقوة عظمى بالنظر إلى المستقبل وليس بالنظر إلى ما كانت عليه في الماضي؛ وذلك بالتمييز والمقارنة الإيجابية بين ثنائيات"الوطنية والتوسعية ـ الاعتزاز الوطني بالذات والإضرار الوطني بالآخرين ـ الجار الكبير والجار الحسن".

هـ ـ الاندماج في المجتمع الدولي:

إن سياسة الولايات المتحدة مع دول المنطقة بما فيها روسيا تستهدف الإدماج في المجتمع الدولي، لكن ليس أي إدماج؟ إنه الإدماج وفق تصور الإدارة الأمريكية، إدماج دول مسؤولة عالمياً وإقليمياً ووطنياً، وهذه المسؤولية تتحدد وفق التوصيف الأمريكي في المصالحة والإصلاح والاستقرار الإقليمي؛ بما فيها العلاقات في إطار كومنولث الدول المستقلة. فأمريكا ضد استخدام الكومنولث حصان طروادة للاستقواء على الآخرين وبالأخص أمريكا نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت