فهرس الكتاب

الصفحة 3962 من 27364

صحيح أن هنالك اقتراحًا قويًا بخصوص التفاعل الإيجابي مع العولمة أو التكيف الإيجابي، وهو التأكيد على السوق العربية المشتركة، ومن ثم مواجهة العولمة وضغوطها من خلال هذه السوق، وهو اقتراح يجب أن نتمسك به ونضغط باتجاهه، ولكن يجب أن ندرك محدودية إمكانات تنفيذه وعلى التحديد؛ بسبب موازين القوى العسكرية والسياسية التي قامت العولمة على قواعدها، وبسبب الأسباب والعوامل التي فرضت علينا الدخول في العولمة؛ لأن إمكان تحقيق السوق العربية المشتركة عليه أن يواجه ضغوط الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سواء أكان كل دولة منفردة أم مجتمعة.

من هنا ليس من الممكن مواجهة العولمة أو التكيف مع العولمة أو المراهنة عليها أن يتحقق في الميدان الاقتصادي البحت ما لم ينظر إلى العولمة في بعدها العسكري ـ السياسي؛ ذلك لأن أي تكيف معها أو مواجهة أو مراهنة في بُعدها الاقتصادي فقط سيدخل بنا في الدائرة المفرغة وينتهي إلى الفشل الذريع.

يمكن القول بأن ما فعلته تظاهرات سياتل وواشنطن أو الاحتجاجات التي اندلعت في عدد من العواصم العالمية تؤشر إلى شكل هام وأساسي من أشكال مقاومة العولمة ومحاولات فرض التعديلات والتنازلات عليها، إن لم يكن إعادة النظر فيها من حيث الأساس، أما تركها تفعل ما تريد دون فضحها سياسيًا وثقافيًا وفكريًا ودون شن النضال الشعبي ضدها، فلن يساعد على وقف وحشية الشركات متعدية الجنسية متعدية الحدود ونهمها غير المحدود للأرباح وامتصاص الدماء.

إن الدفاع عن الإنسان والبيئة، وعن احترام إرادة الشعوب المهددة، وعن الديمقراطية والثقافة التي يراد تحويلها إلى سلعة، وعن القيم والمبادئ، وعن مراعاة مصالح الأمم وحقوقها والعدالة العالمية، كل هذه تدخل ضمن العمل السياسي الذي يجب أن تواجه به العولمة.

أما على مستوى الدول، وهي منخرطة في منظمة التجارة العالمية، وهي تحاول"التكيف"، فيجب أن تشكل جبهات ضغط لإحداث التغييرات الضرورية في اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وفي اتفاقية حقوق الملكية الفكرية وفي سائر الاتفاقات المشابهة، الأمر الذي يتطلب استعادة دور مجموعة الـ 77، وتشجيع مجموعة الـ 15 وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، والمجالس الإقليمية، على ممارسة الضغوط السياسية والمعنوية والأدبية لكبح جماح العولمة بطبعتها الأمريكية.

وهذا كله يحمل مفهومًا غير مفهوم، هو مفهوم"التكيف الإيجابي"المدعو لأخذ مكان في المنافسة الاقتصادية. فإذا كان من الصعب رفض هذا المفهوم الشائع، أو إقناع الكثيرين بعبثيته فإن من الضروري مجابهته بما يحمله من أوهام، وانعدام واقعية، وتخدير للأوجاع، وخداع للنفس؛ لأنه انخراط في منافسة غير متكافئة من كل الأوجه، ولأن الدخول في قوانينها بمثابة الدخول للعبة عمياء يحدد قواعدها الآخر صاحب المصلحة المادية المستبدة، ويتحكم فيها بما في ذلك من تكبيل ليديك وقدميك لن يوصل إلى تحقيق الحد الأدنى من التنمية أو التطور، بل في الأغلب سيزيد التدهور الاقتصادي والاجتماعي والتبعية السياسية.

ب - مراقبة الصعيد الاقتصادي:

إن العلة الأساسية في عدم نجاح التنمية منذ خمسين عامًا تكمن في النظام الدولي الاقتصادي الظالم، الذي أقام الهوة الكبيرة بين أسعار التكنولوجيا والسلع المصنعة من جهة، والمواد الخام والمنتجات الزراعية من جهة أخرى. هذا فضلاً عن النظام السياسي الدولي الظالم الذي يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول وبالعدوان لمن هو قادر عليه. ولهذا، فإن مشكلات الفقر والتخلف الاقتصادي لا تحلها العولمة، وإنما تبدأ المعالجة بإحداث التغييرات الضرورية في النظام العالمي السائد عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وثقافيًا.

فالمطلوب تضامن عالمي واسع النطاق لإقامة عالمية سياسية واقتصادية أكثر عدالة بديلاً للعولمة الأمريكية التي ورثت كل سيئات العالمية الإمبريالية السابقة، وأضافت إليها وحشية رأسمالية القرن التاسع عشر.

والمطلوب عند التركيز على إقامة السوق العربية المشتركة أن يركز على التضامن العربي والبعد السياسي للعلاقات العربية ـ العربية والخروج من التبعية، وإلا بقي مشروع السوق المشتركة بلا ظهير ولا سند.

جـ - البعدين: الثقافي والسياسي:

ثم يجب أن يعالج البعد الثقافي في العولمة وما يشكله من تهديد لهويتنا الثقافية، أو للبعد الإعلامي وما يشكله من خطر على شراء إعلامنا المحلي في قابل الأيام، حين يُفرض على الإعلام أن يخصخص بكل فروعه، ويصبح سلعة معروضة للشركات الخارجية، أو حين تفتح حدود البلاد لمن شاء من مؤسسات الإعلام العالمية، وهو ما سينطبق على مؤسسات التعليم والثقافة ومراكز البحوث والجامعات والمنظمات غير الحكومية كذلك.

د - مواجهة العولمة في بعدها الصهيوني:

وأخيرًا يجب التنبه بصورة خاصة إلى الجوانب المتعلقة بعلاقة العولمة بالمشروع الصهيوني في بلادنا العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت