أما إذا صدر التحريف من دولة تملك السلطة، وتهيمن على مرافق الأمة، وبخاصة التعليمية والإعلامية، والأمنية والعسكرية والسياسية، فإن التحريف يصبح مفروضا على عقول الأمة بالإكراه .... ومعلوم هو الفرق بين آثار هنا والتحريف هناك!
البند الثاني: يشمل أهم مسؤولياتكم الخارجية:
كيف نصون السفينة - واجب الأمة كلها: …
وفي هذه الحلقة نبين واجب الأمة الإسلامية كلها في صيانة سفينتها، فكلهم راكب في هذه السفينة، ينجون من الغرق إذا تعاونوا على صيانتها، ويغرقون جميعا إذا فرطوا فيها وتغاضوا عن إفساد من أراد إفسادها، لا فرق بين قائد وراكب في مقدمتها أو مؤخرتها، في أعلاها أو أسفلها....
ويجب أن نعلم جميعا أن لنا أعداء خارج هذه السفينة يتربصون بنا الدوائر، ويسعون جادين لتخريبها وإفسادها، وأسهل وسيلة لتحقيق هدفهم أن يجدوا منا -ركاب السفينة- من يخرق فيها خرقا أو خروقا يتسرب منها الماء إلى داخلها، فيكون سببا في إغراقها وإهلاك ركابها.
فكيف نتعاون على صيانة سفينتنا، ونمنع المفسدين من إغراقها؟
الجواب على هذا السؤال نوجزه في أمرين عامين:
الأمر الأول: معرفةُ من يخشى منه خرق السفينة وإفسادها من ركابها، لأن معرفة المفسدين أمر ضروري لاتقاء شرهم وفسادهم، وهذا يقتضي يقظة الركاب وحذرهم الدائمين من كيد المفسدين المندسين في صفوفهم، وأن يكون جميع الركاب أفرادا وأسرا وأمة من حكام ومحكومين، حراسا لهذه السفينة ومراقبين لتحركات من يريدها بسوء.
وإن أي غفلة عن هذه الحراسة، وأي تساهل في هذه المراقبة، قد يؤدي إلى إغراق السفينة وهلاك ركابها جميعا: (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) )الأنفال: (5)
ومن هنا نعلم عناية الإسلام ببيان أهل الصلاح وصفاتهم من المؤمنين، وفضح أهل الفساد وكشف صفاتهم من الكافرين والمنافقين، والمصرين على الفسوق وكبائر الذنوب من المسلمين، وكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم مليئان بهذه المعاني...
وقد ذكر الصلاح ومشتقاته في القرآن الكريم: 180 مرة، وذكر الفساد ومشتقاته 50 مرة...
وما على مريد الاطلاع على هذه العناية، إلا أن يفتح ما بين دفتي المصحف الكريم، وكذلك أي كتاب من كتب السنة المطهرة، وأوجزها وأقربها تناولا كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله، ليرى تلك العناية الفائقة في بيان الصلاح والدعوة إليه، والثناء على المصلحين وذكر صفاتهم، وثمار أعمالهم التي أسعدت العالم كله في أرض الله.
فإذا اهتم المسلم بتتبع ما ورد في الكتاب والسنة من سير عباد الله الصالحين وما ترتب عليه من إصلاح في الأرض وحفظ للمصالح التي عادت على الأمم بالخير والسعادة، ومن تاريخ المفسدين، وما ترتب على من مفاسد وضياع لحقوق الله وحقوق عباده، إذا اهتم المسلم بذلك، رأى بأم عينيه تلك العناية الربانية ببيان أهل الصلاح وأهل الفساد.
وأن المراد من هذه العناية، حفظ مصالح الأمم في كل أقطار المعمورة، ودرء المفاسد عنها في كل فجاج الأرض، وأن المؤهلين لحفظ هذه المصالح، ودرء هذه المفاسد، هم الصالحون الذين يتلقون أوامر الله ونواهيه بالقبول، فلا يعصون له أمرا، ولا يرتكبون له نهيا، بل يدعون غيرهم إلى طاعة الله وترك معصيته، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليثبت الصلاح ويقوى في الأرض وينتشر، ويضمحل الفساد فيها ويختفي أو يقل ويضعف.
وإن هذا الهدف العظيم لا بد له من منطلقات يجتمع عليها ركاب السفينة، من قادة الأمة وشعوبها، ومن أهم هذه المنطلقات ما يأتي:
المنطلق الأول: اجتماعهم على تحقيق الحق الذي أنزله الحق، وجاء به رسول الحق، فجمع به المتفرقين، وأزال به أسباب النزاع والشقاق، وأسعدت به أمة الحق أهل الأرض كلهم في مشارق الدنيا ومغاربها، وأزهقوا به الباطل وطردوه.
فارتفعت بذلك راية الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها في برهة من الزمن أدهشت الفلاسفة والمفكرين، فوصل دين الله إلى الصين والفليبين وجزر الملايو شرقا، وإلى المحيط الأطلسي وجنوب أوربا ووسطها غربا، وإلى البحر العربي جنوبا، وإلى موسكو وبعض مناطق سيبريا شمالا... ولا زال ذراري المسلمين وآثارهم شاهدة على تلك الانطلاقة العظيمة التي كان أساسها الاعتصام بحبل الله والاجتماع على صراطه المستقيم...
قال تعالى في هذا المنطلق: (( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) )آل عمران (103)