والحقيقة، فإن هذا الكلام خطير للغاية، إذ يعني أن موطن الكنعانيين والإسرائيليين الأصلي هو واحد، سواء كان في الجزيرة العربية أو إن الكنعانيين هاجروا إلى فلسطين فيما بعد وأعطوها اسمهم، فأصبحت بلاد كنعان، وهنا يصبح الاثنان أصحاب حق في هذه البقعة من الأرض حتى ولو كانت هذه البقعة في غرب الجزيرة العربية؛ إذ إنه من الثابت تاريخياً أن وجود الكنعانيين سبق الوجود الإسرائيلي بما لا يقل عن ألف وأربعمائة عام تقريباً، وبما أن الإسرائيليون قدموا إلى فلسطين عبر القوافل التجارية كما يقول الدكتور الصليبي، فهذا يعطيهم حقاً فيها، لأن الدكتور الصليبي لم يشر ولو إشارة صغيرة لتاريخ فلسطين قبل هجرة بني إسرائيل إلى موطنهم الجديد (أي فلسطين) ، رغم التناقض الذي يبديه الدكتور الصليبي عن هجرة أقوام آخرين إلى فلسطين قبل الإسرائيليين مثل الفلسطينيين الذين وصلوا إليها حسب قوله من غرب شبه الجزيرة العربية أيضاً، وهو بذلك يؤكد نسبهم السامي الصريح، كما هاجر إليها الكنعانيون ليعطوها اسمهم على امتداد الساحل الشامي شمال فلسطين.
ونحن لا نرى أي مبرر لِما أورده الدكتور الصليبي لإثبات حق هو في الواقع ثابت للكنعانيين في وجودهم في فلسطين قبل مجيء بني إسرائيل إليها، فالكنعانيون بالفعل هاجروا إلى فلسطين من الجزيرة العربية قبل أي شعبٍ سامي آخر، ولم تعرف البلاد شعباً سامياً استوطنه قبلهم. أما بنو إسرائيل فقد قدموا إلى فلسطين كمحطة توقف لا أكثر ثمَّ رحلوا عنها زمن يعقوب إلى مصر وعاشوا في مصر فترة طويلة من الزمن تجاوزت الأربعمائة عام، ممَّا يدلّل على إن فلسطين لم تكن آنذاك مناسبة لإقامتهم بها، وإلاَّ لِما تركوها ورحلوا عنها طيلة هذه المدة.
ويضيف الدكتور الصليبي أن: الفلسطينيين أطلقوا على عددٍ من مستوطناتهم مثل غزة وعسقلان أسماء هي في الأصل أسماء لأماكن في غرب شبه الجزيرة العربية جاءوا منها، وفي شمال فلسطين، أعطى الكنعانيون أيضاً أسماء من غرب شبه الجزيرة العربية لبعض مستوطناتهم، وهي أسماء مثل صور وصيدون (صيدا) وجبيل وأرواد ولبنان، وعندما بدأ إسرائيليو غرب شبه الجزيرة العربية (وربما يهود آخرون من غير بني إسرائيل من غرب شبه الجزيرة) بالهجرة باتجاه الشمال للاستيطان في فلسطين، كائناً ما كان زمن الهجرة، أطلقوا بدورهم أيضاً أسماء من غرب شبه الجزيرة العربية على بعض مستوطناتهم الفلسطينية (وليس كلها بالتأكيد) ، أو على أوابد دينية محلية استولوا عليها وعرّفوها بأوابد يهودية في غرب شبه الجزيرة العربية، وهي أسماء مثل يهوده (يهوذا) ويروشليم (القدس) وبيت لحم وحبرون (الخليل) وشمرون (السامرة) وجرزيم وعيبل والكرمل وربما الجليل وحرمون والأردن.
ويضيف قائلاً ص34-36: أن هذه الظاهرة مرتبطة بالهجرة في كل زمن، وفي كل أنحاء العالم، فالمهاجرون يحنّون دائماً إلى أوطانهم الأصلية، وكثيراً ما يسمون البلدات والأقاليم والجبال والأنهار، وحتى بلداناً أو جزراً بكاملها، بأسماء مألوفة حملوها معهم من مواطنهم القديمة.
والواقع أن ما ذكره الدكتور الصليبي لا يمكننا الاعتداد به، لأن مدينتي غزة وعسقلان أصلاً مدن كنعانية ولم يكن الفلسطينيون سوى قاطنين لهما، أما المدن التي ذكرها الدكتور الصليبي على أن الإسرائيليين قد أعطوا أسمائها لها في فلسطين على أنها موجودة أصلاً في بلادهم الأصلية، فتلك زلة لسان وقع بها، فهو بذلك يعطي اليهود الحق في إدعاءاهم بأحقيتهم بمدينة أورشليم وجرزيم والكرمل وغيرها من المدن، لأنه من الثابت أن جميع هذه المدن مدن كنعانية صِرفة، أسسها الكنعانيون بأنفسهم، كما أننا لو سلّمنا جدلاً بإدعاءات الدكتور الصليبي، فهذا يعني أن فلسطين قبل ذلك التاريخ لم يكن لها تاريخ، وهو يساوي بذلك بين بلدٍ كفلسطين معروف على مستوى الشرق الأدنى وبين أماكن أخرى تمَّ اكتشافها لأول مرة، فأعطاها المهاجرون أسماء مدنهم التي هجروها، فعلى سبيل المثال نجد بلداً كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا، تعتبر جلّ أسماء مدنها أسماء لمدنٍ قديمة وعريقة موجودة أصلاً في بلدان المهاجرين إليها مثل مدينة لندن في إقليم أونتاريو الكندية المأخوذ عن مدينة لندن البريطانية العريقة، والمعروفة منذ زمنٍ بعيد، ومدينة فيلادليفيا في الولايات المتحدة الأمريكية المأخوذ عن مدينة فيلادليفيا (عمَّان) في شرق الأردن، ومدينة الإسكندرية الموجودة أصلاً في مصر وغيرها من الأسماء كثير مثل مقاطعة ويلز الجديدة في أستراليا المأخوذ عن أسم مقاطعة ويلز البريطانية.
إذن، فأسماء المدن التي ينقلها المهاجرون إلى مواطنهم الجديدة ليست دليلاً على ما ذهب إليه الدكتور الصليبي، لأن بلداً كفلسطين كما أسلفنا القول ليس بلداً حديث النشأة تمَّ اكتشافه بالصدفة من قِبل المهاجرين إليها، بل سكنته الشعوب عن طريق الإزاحة وهزيمة الشعوب التي كانت موجودة فيها أصلاً، فالكنعانيون عندما قدموا إليها وجدوا بها شعوباً تمكنوا من هزيمتها والاستيلاء على أراضيهم، وهكذا فعل بنو إسرائيل وغيرهم.