فهرس الكتاب

الصفحة 25877 من 27364

كما أكّد بعض الباحثين أن مدينة القدس نفسها لم تدخل تحت الحكم الإسرائيلي، إلاَّ بعد عودة بني إسرائيل الذين اعتنقوا الديانة اليهودية من السبي البابلي زمن الحكم الفارسي للمنطقة، فلم يثبت بعد أن داوود صاحب أعظم توسع للمملكة الإسرائيلية قد تعبَّد في مدينة القدس ولا الذين حكموا من بعده، ولكن لكون أن التوراة كُتبت على يد بعض الكتبة المتأخرين أثناء وجودهم في السبي البابلي، فقد حاولوا جمع الذين سيعودون إلى فلسطين على مدينةٍ يقدسونها مع تبرير حق لهم فيها، الأمر الذي لم يتم إلاَّ بعد دمار القدس وقتل سكانها الكنعانيين الأصليين على أيدي البابليين.

أما بخصوص قول الدكتور الصليبي ص29-30، بأن اليهودية لم تولد في فلسطين، فهو بالفعل محق بذلك، لأن الديانة اليهودية ولدت في بابل أثناء فترة السبي وليس قبل ذلك، وذلك على يد الكاهن عزرا، فجماعة السبي البابلي كانوا يمثلون بقايا جماعة موسى، ثمَّ اختلط بهم ممن اعتنق ديانتهم من مختلف الأجناس، وقد جاءت تسميتهم باليهود نسبةً إلى مملكة يهوذا المنقرضة.

ويقول الدكتور الصليبي، إن الدراسة اللغوية لأسماء الأمكنة في الشرق الأدنى، إذا أخذت في اعتبارها التوزيع الجغرافي لهذه الأسماء، توحي بأن لغة الكتب اليهودية المقدسة، المسماة تقليدياً اللغة العبرية، هي عبارة عن لهجة من لغةٍ سامية كانت منتشرة في الأزمنة التوراتية في أنحاء مختلفة من جنوب شبه الجزيرة العربية وغربها ومن الشام (بما فيها فلسطين) . ونظراً لعدم وجود تعبير أفضل، فإن هذه اللغة تسمى في يومنا هذا"الكنعانية"نسبةً إلى شعبٍ توراتي كان يتكلمها، وإلى جانب الكنعانية كانت هناك لغة سامية أخرى منتشرة في الوقت ذاته في شبه الجزيرة العربية والشام، هي الآرامية، التي سُميت كذلك نسبةً إلى الآراميين التوراتيين. وبغض النظر عمن كان الكنعانيون، ومن كان الآراميون، في الحقيقة، فإن اللغتين الكنعانية (العبرية) والآرامية كانتا تستخدمان بالتأكيد لدى مجتمعات مختلفة في غرب الجزيرة العربية، في مرحلةٍ واحدة، وفي الوقت نفسه، كما كان الأمر عليه في الشام.

والرد على ذلك، أن لغة أهل جنوب الجزيرة العربية لم تكن بالتأكيد الكنعانية أو حتى الآرامية، بل كانت لغة أهل اليمن، كما إن اللغة الكنعانية ليست بالتأكيد اللغة العبرية، فمن المعروف أن بني إسرائيل لمَّا دخلوا فلسطين كانوا يتكلمون اللغة المصرية الهيروغليفية، ونتيجة لاختلاطهم بالكنعانيين تكلموا باللغة الكنعانية التي أسموها"شفة كنعان"، كما أنه من المعروف أن اكتشاف اللغة الكنعانية تمَّ في مدينة أوغاريت الكنعانية شمال سوريا وليس في غرب أو جنوب الجزيرة العربية.

وبالنسبة للغة الآرامية، فهي متأخرة نسبياً بالنسبة للغة الكنعانية، فمن المعروف أن موجة الهجرة الآرامية إلى بلاد الشام تمت بعد الهجرة الكنعانية بنحو ألف عام، كما أن بني إسرائيل تكلموا باللسان الآرامي أثناء وجودهم في بابل ومنها اقتبسوا اللغة العبرية الخاصة بهم، وبما أن جميع اللغات العربية السامية مقتبسة أصلاً من اللغة العربية الأم، فمن الطبيعي أن تكون جميع هذه اللغات عبارة عن لهجات مستقاة من اللغة الأم، وندلل على ذلك بأن جميع اللهجات العربية اليوم والتي تتكلم بها الشعوب العربية منبثقة من اللغة العربية الفصحى، كما الحال بالنسبة للغة اللاتينية القديمة التي انبثق عنها عدة لغات مثل الإسبانية والإيطالية والبرتغالية وغيرها.

ولا يعقل أساساً أن يتحدث أهل غرب الجزيرة العربية وجنوبها بنفس اللغة أو اللهجة التي يتحدث بها أهل الشام، نظراً للبعد الجغرافي بينهما، فمن المحتم أن يتحدث كل منهما لهجة مغايرة للأخرى.

وما نهدف الوصول إليه من نتيجة، أنه أينما كان موطن بني إسرائيل الأول سواء في غرب الجزيرة العربية أو غيره، فهو لا يعني بحالٍ من الأحوال أحقيتهم بفلسطين، لأن أقواماً أخرى عاشت على ثراها قبلهم، وظل أحفاد هذه الأقوام يحيون فوق ثراها إلى اليوم، بينما كان بقاء بني إسرائيل في فلسطين مؤقتاً انتهى تماماً باستيلاء العراقيين سواء آشوريين أو بابليين على فلسطين، ومن تمَّ أخذ القبائل الإسرائيلية كسبايا إلى بلادهم، وعندئذ انتهى الوجود الإسرائيلي كليةً من على أرض فلسطين، أما بنو إسرائيل الذين عادوا فيما بعد إلى فلسطين تحت مسمى اليهود زمن الحكم الفارسي للبلاد، لم يكونوا أبداً من نسل يعقوب، بل ممن تهودوا في بلاد بابل.

ويضيف الدكتور الصليبي ص29-30 (الحاشية) : أن أرض كنعان التوراتية كانت تقع في الجانب البحري من عسير، وليس في فلسطين والساحل الشامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت