بدأت الحرب، وبدأت"الديمقراطية"الغربية معها تعبّر عن ذاتها بشراسة ما بعدها شراسة مع فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991 بدأ العدوان وألقت الطائرات الأميركية والغربية حِممها وجميع أنواع قنابلها فوق العراق وفي المنطقة الحدودية مع الكويت، كما وجهت البوارج جميع أنواع صواريخها باتجاه العراق والمنطقة الحدودية أيضًا، وتحوّلت منطقة الخليج إلى جحيم حقيقي أتى على الأخضر واليابس والبشر والشجر والحجر. القنابل والصواريخ الأمريكية والغربية أتت على كل ما كان يتحرك في العراق وعلى حدوده من الأهداف البشرية والآلية، بكل ما امتلك واختزن أصحابها من حقد تجاه العراق والوطن العربي. أصبح العراق والمنطقة الحدودية مقبرة مفتوحة للجثث المحترقة، كما أن الآليات العسكرية والمدنية تحولت إلى ركام من المعادن المُحطمة والمحترقة. ومع بدء العدوان في فجر ذلك اليوم، استُنفرت غرفة العمليات الأمنية في أثينا كما استُنفرت جميع غرف العمليات الأمنية في بلدان الغرب"الديمقراطية... استنفرت بشراسة ما بعدها شراسة. ومع قصف تل أبيب بالصواريخ العراقية مع صبيحة اليوم التالي، رفعت غرفة العمليات في أثينا مثلها مثل غرف العمليات في العواصم الغربية الأخرى من درجة استنفارها إلى الحد الأقصى، وبدأ رجال المخابرات في استدعاء... بل القبض على كل من أشَّرَ إليه أركان تلك الغرفة، وبالأخص العرب. كان صديقي يتناول الغداء مع واحدٍ من رجال استخبارات البلد العربي المُمثل في غرفة العمليات كان قد قَدَم نفسه له كرجل أعمال قادم من الولايات المتحدة الأميركية ويريد الإعلان عن مشاريعه في الصحيفة العربية"المذكورة"التي كان صديقي يراسلها. كان صديقي يتناول الغداء مع"رجل الأعمال" الإستخباراتي بناءً لدعوة مبكرة وعاجلة على ما بدا حتى يكون تحت عين الغرفة الأمنية وفي متناول أيدي الممثلين فيها. اتصل أبناء صديقي به على عجل وأبلغوه بضرورة العودة إلى البيت لأمر عاجل وتعليمات من رجال المخابرات. اعتذر من مُضيفه الإستخباراتي ليستقبله رجال المخابرات على الباب ويطلبوا منه مرافقتهم مصحوبًا بإقامته وجواز سفره بذريعة أن وزير الأمن ينتظره في الوزارة لأمرٍ هام. كانت الوزارة تعُجُ بالعرب، وبالأخص الفلسطينيين، ممن أوقفتهم أجهزة الأمن والطوارئ. قيلَ لصديقي أنه مهدد بالقتل وأن الوزارة بصدد حمايته والحفاظ على سلامته. استضافوه في غرفة مزودة بهاتف لإجراء مكالماته الهاتفية، وكانت مفتوحة على بهو يمتلئ بالموقوفين العرب وبالأخص الفلسطينيين ممن كانوا يقيمون في اليونان بحكم أعمالهم أو دراساتهم الجامعية. أجواء من"الديمقراطية"المتناهية كانت تُخيم على وزارة الأمن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه رئيس الوزراء اليوناني في حينه قسطنطين ميتسوتاكيس أنه "سيكنّس أثينا من العرب وينظفها منهم"... وهذا تعبير غربي"ديمقراطي"أيضًا. ومع ساعات الليل الأخيرة ساقوا صديقي إلى زنزانة مليئة بالموقوفين العرب معظمهم من الفلسطينيين، فأيقن عندها أنه سيكون ضيفًا ثقيلًا على ديمقراطية اليونان وأن الآتي سيكون أعظم وأخطر. في حينه كانت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية تبث خبر اعتقال صديقي وقرار الحكومة القاضي بترحيله، وفق ما علم فيما بعد. ظهر اليوم التالي وبدل أن يتمَ الإفراج عنه حسبما قيل له، اقتادوه إلى سيارة تحمل لوحة من اللوحات التي كان قد دونها إبانَ فترة متابعته بعد احتلال الكويت توجهت به إلى المطار مصحوبة بآلية مصفحة تابعة للأمن اليوناني. أدخلوه مُدرج المطار عِبرَ بوابة جانبية لتحاشي الحشد الإعلامي الذي كان ينتظره في بهو المطار. أدخلوه المدرج باتجاه طائرة كانت وجهتها ليبيا التي لم يسبق له أن زارها برغم عديد الدعوات التي كانت توجه إليه أثناء احتفالات الفاتح من سبتمبر/أيلول والتي لم يُلبِ واحدة منها. حاول التمنع وطلب تسفيرهُ إلى لبنان أو الأردن أو يوغوسلافيا، فكان الرفض وتخييره بين الطائرة المتوجهة إلى ليبيا أو طائرة"العال"الإسرائيلية التي كانت متوقفة على مسافة ليست ببعيدة. كانوا يعنون ما قالوه له... لم يكن ذلك من باب التهديد والتخويف. في النهاية دفعوا به دفعا بكل ما تحمله الديمقراطية الغربية من وحشية داخل الطائرة. نعم كان ذلك الدفع من"آليات الديمقراطية"الغربية!! لم يُسمح لصديقي أن يودع عائلته أو أن يمرّ على بيته للحصول على بعض الملابس والنقود أو كتابة توكيل لزوجته للتصرف في ضرورات المنزل والعائلة"النقدية". دخل الطائرة بالملابس التي كان يرتديها وفي جيبه آلاف الدراخمات التي لم يكن لها قيمة خارج اليونان لتعذر استبدالها بعملات أخرى. هي"الديمقراطية"الغربية بعينها التي يريدون تصديرها للوطن العربي أو فرضها بقوة الترهيب... "ديمقراطية إذلال الكرامة والإرادة والروح عند الإنسان العربي... نصف ساعة أو أكثر قضاها صديقي في الطائرة وحيدًا قبل أن يتدافع الدبلوماسيون العراقيون وعائلاتهم إلى داخلها مرحلين أيضًا، تنفيذًا لقرار دولي شمل جميع البعثات الدبلوماسية العراقية في العالم قضى بتخفيضها إلى