نعم كانت اليونان حيث كان صديقي يقيم مع عائلته في عاصمتها، وكان يعمل في الحقل الإعلامي كما أسلفت الذكر أيضا ً. وكانت الصحيفة العربية التي أشرت إليها سابقًا من بين وسائل الإعلام التي كان يراسلها، وهي كانت وما زالت تتخذ من عاصمة الضباب وصاحبة الجلالة مقرًا لها. كان صديقي في حينه يعتبر اليونان واحدة من بلدان العالم الثالث عشر لما للديمقراطية فيها من"قدسية!!"ندر وجودها في بلدان ديمقراطية حقيقية مثل البلدان الإسكندنافية!! وقد عبّر عن ذلك في عديد مقالاته. كانت الحكومة اليونانية منزعجة من صديقي لأنه لطالما عَبّرَ عن اهتمامٍ إعلامي خاص بشؤون المسلمين في منطقة"تراقيا"شمال اليونان بمحاذاة الحدود مع تركيا. وعبّر عن ذلك في مقالاته أيضاَ، كما وأقام علاقات وصلات طيبة مع تلك الأقلية اليونانية ومع ممثليها في البرلمان... وكانوا لا حول لهم ولا قوة لأن الإعلام المحلي والدولي اعتاد متعمدًا تجاهلهم وتجاهل أقليتهم، وكذلك الدبلوماسيون المسلمون والعرب. وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة منزعجًا من صديقي أيضًا مثله مثل الحكومة اليونانية، لكن لسبب أو أسباب أخرى أقلها أنه كان يبدي حضورًا ديناميكيا في الندوات السياسية العامة والخاصة التي اعتاد حضورها كبار السياسيين اليونانيين بمن فيهم رئيس الحكومة لم يكن ليتوفر عند رأس الدبلوماسية المقصود وأقرانه من الدبلوماسيين وبالأخص العرب منهم. فقد امتاز صديقي بجرأة وطنية وقومية كانوا يفتقدونها، وكانت تخوله مماحكة أولئك السياسيين ورئيس حكومتهم ومحاورتهم بحدة وحتى انتقادهم شفهيًا وفي مقالاته لأن اليونان في ذلك الوقت كانت قد شرعت في مغازلة إسرائيل وبدأت تتخلى تدريجيًا عن موقعها ودورها كجسر للعلاقات الطيبة بين الغرب والعرب. في حينه وصل اليمين اليوناني"حزب الديمقراطية الجديدة"بزعامة قسطنطين ميتسوتاكيس الى السلطة بعد هزيمة انتخابية أنزلها باليسار الاشتراكي"حزب الباسوك"وزعيمه التاريخي أندرياس باباندريو، وانحرف بالسياسة اليونانية الخارجية"180 درجة"معاكسة للنهج الباسوكي الداعم للعرب والقضية الفلسطينية. وفي حينه اعترف اليمين اليوناني بإسرائيل لأول مرة منذ عام 1948. وكانت الحكومة اليونانية منزعجة من مواقف صديقي بهذا الخصوص أيضًا. الحكومة اليونانية لم تستطيع ترحيله وإن تمكنت من ملاحقته ومتابعته. لم تستطع ترحيله لأن حصانته الصحفية كانت تمنعها من ذلك، ورأس الدبلوماسية لم يستطع هو الآخر أن يُحقق مطلبه لأن صديقي كان يتمتّع بحصانة لا تقل قوة عن حصانته.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى ضوء احتلال الكويت وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين اليونان وإسرائيل انعقد في أثينا مؤتمر دولي سري تحت عنوان"مواجهة الأصولية القادمة من الشمال"، رعته وكالة الاستخبارات الأميركية"C.I.A"وأشرف عليه إحدى محطات التلفزة اليونانية وتدعى Antena. ورأس المؤتمر وسيط السلام الأميركي المغفور له فيليب حبيب. صديقي كان الصحافي الشرق أوسطي الوحيد المشارك في ذلك المؤتمر بحكم علاقاته مع أحد كبار العاملين في محطة التلفزة المذكورة، وكان الشاهد العربي الوحيد على مشاركة عدد من السياسيين الدوليين والعرب والإسرائيليين السابقين في ذلك المؤتمر. وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة نجمًا من نجوم ذلك المؤتمر. وقد تصدر الطاولة الرئيسية أثناء العشاء الختامي للمؤتمر إلى جانب فيليب حبيب والسفير الأميركي والوفد الإسرائيلي. وكان صديقي أيضًا شاهدًا على جلسته"الشاعرية"التي لم يحسده عليها أحد من الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين لبّوا دعوة العشاء، وهو ما زاد في انزعاج سعادته من صديقي أكثر فأكثر. ذلك المؤتمر مثّل"بالطبع!!"وجهًا من وجوه"الديمقراطية"الغربية!!
الرئيس بوش الأب اتخذ قرار الحرب وأعلن عن ساعة الصفر،
فكشرت الديمقراطية الغربية عن أنيابها