وقوله ( وَبِئْسَ المَصِيرُ ) ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم ، أو ما مهد الله لهم من النار ، فالمخصوص بالذم محذوف: وهو هذا المقدر .
"فتح القدير" ( 1 / 622 ، 623 ) .
واعلم ـ أخانا الكريم ـ أن الله تعالى قد جعل لعمارة الأرض ، والتمكن من خيرها ، والانتفاع بما فيها ، وبلوغ أسباب القوة ، سننا كونية ، هي جارية على العباد كلهم ؛ فمن أخذ بأسباب القوة بلغها ، بإذن ربه ، لكن الشأن فيمن يبلغ ذلك ، كما شرع له ربه ، ثم يستعمله فيما يوصله ، ويوصل العباد إلى مرضاة ربه . قال الله تعالى: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) الاسراء/18-20 .
ثم إن من حكم الله تعالى في تيسير أسباب المعاش ، وزينة الدنيا لهؤلاء الكفار ، أن من أحسن منهم في شيء ، تمتع بما عنده من الدنيا ، جزاء حسنته ، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة ، لم يكن له عند الله حسنة يجازى بها .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً ؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ . وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ) رواه مسلم (2808) .
ولهذا قال شداد بن أوس رضي الله عنه: ( إن الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر ، والآخرة وعد صادق ، يحكم فيها ملك قاهر ، ولكل بنون ؛ فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ) صفة الصفوة (1/709) .
على أننا ـ أيضا ـ ننبه هنا إلى أن ذلك لا يعني أن يترك المؤمنون أسباب القوة ، يتمتع بها الكفار ، ويصدون الناس بها عن سبيل الله ، بل إن المؤمن مأمور بعمارة الأرض على منهج ربه عز وجل . قال الله تعالى: ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) هود/61 ، وأمر الله تعالى عباده بالأخذ بأسباب القوة ، كل القوة ، في مواجهة عدوهم: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) الأنفال/من الآية60
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله: ( أي: كل ما تقدرون عليه ، من القوة العقلية والبدنية ، وأنواع الأسلحة ونحو ذلك ، مما يعين على قتالهم . فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع ، والرشاشات ، والبنادق ، والطيارات الجوية ، والمراكب البرية والبحرية ، والقلاع ، والخنادق ، وآلات الدفاع ، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم ، وتعلم الرمي ، والشجاعة والتدبير . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: « ألا إن القوة الرمي » [ رواه مسلم(1917) ] .
ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال ، ولهذا قال تعالى: ( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ؛ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان ، وهي إرهاب الأعداء ، والحكم يدور مع علته . فإذا كان شيء موجودا أكثر إرهابا منها ، كالسيارات البرية والهوائية ، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد ، كانت مأمورا بالاستعداد بها ، والسعي لتحصيلها ، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلم الصناعة ، وجب ذلك ، لأن « ما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب » ) .
وانظر جواب السؤال رقم: ( 33679 ) لتقف على بعض ما في حياة الكفار من هموم وغموم وشقاء .
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب