( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بإحلال العقوبة بالظالم ، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخَّر القضاء بينهم إلى يوم القيامة ."تفسير السعدي" ( ص 390 ) .
د. وقال الشنقيطي - رحمه الله -:
قوله تعالى: { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ } الآية .
بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وإن لم يجعل لهم العذاب في الحال: فليس غافلاً عنهم ولا تاركاً عذابهم ، بل هو تعالى جاعل لهم موعداً يعذبهم فيه ، لا يتأخر العذاب عنه ، ولا يتقدم ."أضواء البيان" ( 4 / 164 ، 165 ) .
4.وأما من كفر نعمة ربه , ولم يتعرض لرحمته ، وأصر على كفره وعناده ، فإن في تأخير العذاب عنه زيادة في إثمه ، حتى يوافي ربه العزيز المنتقم ، وقد ازداد إثمه ، وأحاط به جرمه ، وانقطع عذره ، وذهبت حجته:
قال الله تعالى: ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام ٍ) ابراهيم/47 وقال تعالى: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) آل عمران/178 .
وقال تعالى: ( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) مريم/85 .
أ. قال الإمام الطبري - رحمه الله -:
وتأويل قوله: ( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) : إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثماً ، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر .
( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة .
"تفسير الطبري" ( 7 / 423 ) .
ب. وقال الطبري - أيضاً -:
وقوله ( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) يقول عزّ ذكره: فلا تعجل على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك يا محمد .
( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) يقول: فإنما نؤخر إهلاكهم ليزدادوا إثماً ، ونحن نعدّ أعمالهم كلها ونحصيها حتى أنفاسهم لنجازيهم على جميعها ، ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير أردناه بهم .
"تفسير الطبري" ( 18 / 252 ) .
فيا له من وعيد وتخويف ، وياله من بأس وانتقام ، حين يعد الجبار الجليل ، للمجرم الآبق ما يستحقه على جرمه ، حين لا مفر له ولا مهرب .
روى البخاري (4686) ومسلم (2583) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .
ثانياً:
وأما الأمر الآخر وهو تأخر المسلمين وتقدم الكفار في أسباب المعاش ، وعلوم الدنيا: فاعلم أن أمر تطورهم وتقدمهم لا يتعدى الأمور الدنيوية ، وأما العلم الحقيقي ، وهو العلم بالله والدار الآخرة فهم في معزل عنه . قال الله تعالى: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) الروم/7 .
وهذا أيضا من تمام حجة الله تعالى عليهم ؛ أن أعطاهم الأسباب التي تمكنهم من العلم النافع لهم ، وتدلهم على الدين الحق ، فشغلوها بأمر الدنيا ، ولم ينتفعوا بها فيما ينجيهم عنده ، ويصلح لهم أمر آخرتهم ، فينصلح تبعا له أمر دنياهم ـ أيضا ـ . قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الاحقاف/26 ولهذا قال الله تعالى ، ناهيا عباده عن الاغترار بما عندهم من أسباب الدنيا ، وزينتها وزخرفها ،: ( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) آل عمران/196 ، 197 .
قال الشوكاني رحمه الله:
( لا يَغُرَّنَّكَ ) خطاب للنبي r والمراد تثبيته على ما هو عليه ، كقوله تعالى ( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا آمِنوا ) وخطاب لكل أحدٍ ، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين ، والمعنى: لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم ، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار ثم مصيرهم إلى جهنم ، فقوله: ( مَتَاعٌ ) خبر مبتدأ محذوف: أي: هو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه .
( وَمَأْوَاهُم ) أي: ما يأوون إليه .
والتقلب في البلاد: الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة ، ومثله قوله تعالى ( فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي البِلاَدِ ) والمتاع ما يعجل الانتفاع به ، وسمَّاه"قليلاً"لأنه فانٍ ، وكلُّ فانٍ وإن كان كثيراً فهو قليل .