كذلك لا بد من ذكر جهود المملكة العربية السعودية والدول الإسلامية الأخرى في إنشاء المعاهد الإسلامية والعربية في الغرب، والمراكز الثقافية الإسلامية ، وهذه بلا شك تهدف إلى الإسهام في الدراسات الإسلامية في الغرب بما تقدمه من برامج دراسية وندوات ومحاضرات، ونشر.ولكن الحكم على نتائج أعمال هذه المعاهد يحتاج إلى بحث ميداني للوصول إلى التقويم السليم.
المحور الثالث
نماذج من أساتذة الدراسات الإسلامية في الغرب.
كان من بين الأهداف التي سعيت إلى تحقيقها في الزيارة العلمية التي قمت بها للجامعات الأمريكية في صيف عام 1416 محاولة الالتقاء بأكبر عدد من أساتذة الدراسات الإسلامية للتعرف على فكرهم وإنتاجهم الفكري في هذا المجال. ولا بد أن أشيد بجهود الشيخ الدكتور مصطفى السباعي الذي قام برحلة علمية إلى المراكز الاستشراقية في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية عام 1956م. فقد كان جهداً ريادياً بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ. (27) وقد قال الدكتور السباعي في ذلك:"لقد كنت كتبت عن المستشرقين كلمة موجزة في كتابي"السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي"قبل أن أزور أكثر جامعات أوروبا عام 1956م وأختلط بهم وأتحدث إليهم وأناقشهم. فلمّا تم لي ذلك ازددت إيماناً بما كتبته عنهم واقتناعاً بخطرهم على تراثنا الإسلامي كله سواءً كان تشريعياً أم حضارياً لما يملأ نفوسهم من تعصب ضد الإسلام والعرب والمسلمين ." (28)
وقد تحقق لي بعض النجاح في هذه الزيارة كما أنني التقيت عدداً منهم في رحلات علمية أخرى وفي بعض الندوات والمؤتمرات التي تيسر لي حضورها في السنتين الماضيتين. وهم ليسوا سواء فالتعصب الشديد مازال يسيطر على البعض بينما تخلص بعضهم الآخر من موروثات الاستعمار والحقد والتعصب.
وفي المؤتمر الدولي الثاني حول المنهجية الغربية في دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية حول العالم العربي وتركيا الذي عقد في الفترة من 2-6 مايو 1996 في تونس ونظمته مؤسسة التميمي للمعلومات والبحث العلمي بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور الألمانية ، قدمت بحثاً حول التعاون العلمي بين العالم العربي وتركيا والغرب بين الواقع والمثال أوضحت فيه استئثار المتغربين والعلمانيين واليساريين ( السابقين ، والحاليين) بمناصب التدريس ومنح البحث العلمي في الجامعات الغربية ، واحتفاء هذه الجامعات بهم إلى درجة لافتة للانتباه. فقد دعت جامعة برنستون أحد المتخصصين في علم الاجتماع من تونس وهو عبد القادر الزغل ومعروف عنه اتجاهه اليساري ، ولمّا كان لا يجيد اللغة الإنجليزية فقد أعطته عدة أشهر لتقوية لغته الإنجليزية كما ساعدته في الحصول على المراجع المناسبة باللغة الإنجليزية للمادة التي سيقوم بتدريسها. وأعتقد أنه كان بإمكانهم أن يجدوا بديلاً جاهزاً لو أرادوا ولكنهم يصرون على نمط معين من العالم العربي الإسلامي لتنفير الطلاب الأمريكان من الإسلام. ومن الأسماء المشهورة في يساريتها وعلمانيتها وقوميتها: هشام شرابي ( خريج الكلية الأمريكية في بيروت) وهشام جعيط التونسي ، وفؤاد عجمي ، وحليم بركات ، ومحمد عبد الحي شعبان ومسعود ضاهر من لبنان.
ومن الأساتذة المسلمين الذين يعملون في الجامعات الأمريكية أذكر أولاً بعض النماذج الجيدة ومن هؤلاء:
1-خالد يحي بلانكنشب، وهو أمريكي من أصل نرويجي أسلم عام 1973 ومتخصص في التاريخ الإسلامي ومتزوج من سيدة حجازية. وبالإضافة إلى معرفته في التاريخ الإسلامي فإنه درس على العديد من المشايخ في مصر وفي مكة المكرمة في أثناء إقامته في هذين البلدين فهو على علم طيب بالشريعة الإسلامية حتى إنه يدرس في جامعة تمبل Temple بمدينة فيلادلفيا العلوم الشرعية. وقد علمت منه أنه يتلقى دروساً في الديانة اليهودية. وقد قام بترجمة بعض مجلدات تاريخ الطبري وله كتاب بعنوان ( هشام بن عبد الملك ونهاية دولة الجهاد) ، كما أنه ألقى بعض الدروس الحسنية في المغرب. (29)
2-شيرمان جاكسون ( ويسمى عبد الحكيم أيضاً) أمريكي من أصل أفريقي متخصص في الفقه المالكي ويدرس العلوم الإسلامية في قسم الأديان بجامعة انديانا ، حصل على الدرجة الجامعية (بكالوريوس) من قسم الدراسات الشرقية بجامعة بنسلفانيا عام 1982، وحصل على الماجستير من الجامعة نفسها عام 1986، وحصل على الدكتوراه كذلك من الجامعة نفسها عام 1990م.ويتقن اللغة العربية وله معرفة باللهجة السعودية والسودانية. وله معرفة باللغة الفرنسية والألمانية والفارسية. وله كتابات حول الفقه المالكي. ويقوم بالخطابة يوم الجمعة أحياناً في مسجد بلومنجتون بإنديانا. (30)