فهرس الكتاب

الصفحة 2178 من 27364

وما من ريب في أن فقه الحياة التي أراد لنا هذا الدين أن نعيد صياغتها وفق مقاصده، وأن نمسك بزمام قيادتها كي لا يعبث بمقدراتها المضلّون عن سبيل الله، ويميل بها الذين يتبعون الشهوات والأهواء والظنون الميل العظيم الذي حذّر منه كتاب الله.. إن فقه الحياة هذا ليس حالة بسيطة ذات وجه واحد، وإنما هو حالة مركبة ذات وجوه شتى. فهناك الفقه الشرعي الذي يتعامل مع الجزئيات والكليات، أي مع مفردات الشريعة في هذا الجانب أو ذاك، ومع مقاصدها الكبرى التي تجعل المعطيات الفقهية تصب في هدفها الكبير ذي الفضاء الواسع سعة الحياة نفسها.

هناك الفقه الدعوي الذي يمنح الناس في كل زمان ومكان القناعة بأحقية هذه الشريعة في حكم الحياة وقيادتها.

وهناك ، فضلاً عن هذا وذاك، الفقه الحضاري الذي يعيد تشكيل الحياة وفق مقاصد الشريعة في ضوء إدراكه لقوانين الحركة التاريخية، وسنن الله في الخلق والعالم والوجود، وعلى هدى رؤية مقارنة نافذة لخرائط العالم الحضارية، من أجل صياغة مشروعه الحضاري المتميز والتحقق في الوقت نفسه بصيغ مناسبة في التعامل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاء.

إن الفقه الحضاري، كما أنه عمل في التاريخ للبحث عن أصول وقوانين التشكل الحضاري، فهو عمل في صميم العصر، وتطلع للمشاركة في المصير البشري من خلال صياغة المشروع الحضاري البديل الذي يستمد حيثياته ويتلقى توجيهاته من مقاصد الشريعة وآلياتها الفقهية، والذي يجاهد من أجل التجذر في الأرض والانتشار فيها بقوة الفقه الدعوي وآلياته الفاعلة.

والآن، فإن إحدى مشاكل المناهج الجامعية بصدد علوم الشريعة أنها تعطي طلابها الفقه الشرعي، وتمضي معهم في الفقه الدعوي إلى منتصف الطريق، ولكنها لا تكاد تعطيهم شيئاً عن الفقه الحضاري. فها هي ذي الحلقة الضعيفة في"عقل"خريجي المعاهد الشرعية والتي تساعد بدورها على حفر الخنادق وتعميق الهوة بين الشريعة والحياة، وتعين على تأكيد تلك الثنائية المقيتة التي عزلت، ولا تزال حشود الخريجين عن الدخول في نسيج الحياة، وإعادة صياغتها، فضلاً عن تسلم مراكز القيادة فيها والشهادة عليها.

ومما يرتبط بهذا، ذلك الغموض الملحوظ، وعدم التحديد بصدد المصطلح الحضاري، فإن المثقف المسلم، والمتخصص في العلوم الشرعية على السواء، لا يكاد يفقه شيئاً عن مفردات كالحضارة والمدنية والعمران والثقافة والمعرفة والنظم والفكر والعلوم والآداب والفنون .. إلى آخره ..

ويزيد الأمر إرباكاً ذلك الخطأ المنهجي الذي يهيمن على طرائق تدريس الحضارة الإسلامية في معظم معاهد وجامعات البلدان العربية والإسلامية، حيث تفكك هذه الحضارة إلى سياقات منفصلة كالنظم، والفكر، والعلوم، والنشاط الاقتصادي أو العمراني .. إلى آخره، تعطي كل منها في سنة أو بعض سنة، بحيث إن الطالب يتخرج وهو لا يكاد يفقه شيئاً عن الملامح الأساسية للحضارة الإسلامية، وشروط تشكلها ونموها، وعوامل انكماشها وجمودها، وانهيارها في نهاية الأمر.

إن تقطيع جسد هذه الحضارة، وتقديمها للطالب مزقاً وتفاريق، سيفقدها شخصيتها المتميزة وملامحها المتفردة التي تمنحها الخصوصية بين الحضارات، فتصير مجرد أنشطة ثقافية أو معرفية أو مدنية في هذا المجال أو ذاك، قد تتميز ببعض الخصائص، لكنها لا تعكس التصور النهائي لرؤية المنتمين إليها للحياة والعالم والوجود. وهكذا تصير دراسة الحضارة الإسلامية ـ في نهاية الأمر ـ لهاثاً وراء مبسوّغات الجزية، ودفاعاً عن موقف الإسلام من فرضها على أهل الكتاب، وركضاً وراء قوائم الضرائب"اللا شرعية"ومتابعة للمحتسب، وهو يتجوّل في الأسواق لمعاقبة المخالفين.. كما تصير استعراضاً وصفياً صرفاً لمنظومة الدواوين التي لا أول لها، ولا آخر، وللصراع على منصب الوزارة، وللترتيبات الأمنية والعسكرية للشرطة والجيش. كما تغدو ـ في السياق العلمي ـ تصنيفاً فجاً للعلوم النقلية والعقلية، وإحصاءً رتيباً للمدونات التي كتبها الأجداد.. وفي سياق العمران يلقن الطلاب وصفاً مادياً مملاً لمفردات الريازة وقياساتها وأحجامها بعيداً عن الخلفيات الرؤيوية التي وضعت لمساتها عليها وقدمتها للعالم، وهي تحمل خطاباً معمارياً عز نظيره بين الثقافات.

ويتخرج الطالب الجامعي، وهو لا يكاد يملك معرفة معمقة بخصائص حضارته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت