فهرس الكتاب

الصفحة 2177 من 27364

وبالنسبة للثقافة الإسلامية فانها حققت ولا ريب قدراً طيباً لدى استضافتها في المعاهد والكليات المختلفة، ولكنه ـ على أي حال ـ ليس القدر المطلوب، لأنها لم تتجاوز ـ في معظم الأحيان ـ ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً، في الأسبوع، لا تكاد تغطي سوى جوانب محدودة من فكر الإسلام وثقافته، فضلاً عن معارفه الشرعية، ويتم فيها التعامل ركضاً، على سطح الظواهر والمفردات، دونما أيّ قدر من التعمق والإيغال. ويتخرج طالب القانون أو السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد أو الآداب.. إلى آخره وهو لا يملك عن الإسلام سوى شذرات وقطوف وخطوط عامة في أحسن الأحوال.

إن مادة"الثقافة الإسلامية"ضرورية لتكوين بعض الأطر الفكرية الأصيلة في عقل الطالب الجامعي، لكن هذا وحده لا يكفي إذا أردنا ان يكون القانوني والاقتصادي والإداري والمؤرخ والأديب متوافقين في نبضهم ومعرفتهم وأنشطتهم التخصصية مع مطالب هذا الدين ومقاصد شريعته.

قد يكون هذا حلم، أو هدف بعيد المنال، ولكن الأعمال الكبيرة تبدأ دائماً بالحلم .. بالطموح إلى الأهداف البعيدة .. ورحلة الألف ميل ـ كما يقول المثل ـ تبدأ بخطوة واحدة.

من ناحية أخرى، فإن على المعاهد والكليات المعنية بعلوم الشريعة، أن تتقبل بدورها استضافة أكبر قدر ممكن من موضوعات المعرفة الإنسانية المذكورة، من أجل تمكين طلبة هذه المعاهد والكليات من المعارف المعاصرة في أحدث كشوفها ومعطياتها، ومنحهم الخلفيات الكافية عنها، الأمر الذي يتمخّض ولا ريب عن جملة نتائج، منها ـ على سبيل المثال ـ الإعانة على إزالة حواجز العزلة والتغريب بين الشريعة والمعرفة، وبينها وبين الحياة.

ومنها جعل خريجي هذه المؤسسات أكثر حيوية وقدرة على الخطاب، ووضعهم، بتمكينهم من معارف العصر، في قلب العصر، قديرين على النقد والمقارنة والتمحيص .. قديرين ـ أيضاً ـ على إيصال مطالب المعرفة الشرعية، والتحقّق بمقاصدها، في ضوء تناقضات وإحباطات المعطيات المعرفية الوضعية، وعلى إسهام أكثر فعالية في صياغة المشروع الحضاري الإسلامي البديل.

ان هذا سيقدم ـ بدوره ـ ثمرة أخرى .. تجاوز الإحساس بالنقص الذي أشرنا إليه، والذي هيمن على أجيال المعنيين بالعلوم الشرعية عبر القرنين الأخيرين، والتحقق بالثقة والاعتزاز بالذات، في وتائرها المعقولة التي تتجاوز بهؤلاء الخريجين حالات العقم والشلل وعدم القدرة على الإبداع والإحسان والابتكار.

لقد آن الأوان لتجاوز الاستسلام لتقاليد منهجية قادمة من عصور عتيقة هي غير

عصرنا، محملة بموضوعات ومفردات لم تعد تصلح للقرن الحادي والعشرين، واستبدالها بمناهج أكثر مرونة، تملك القدرة على استضافة واستيعاب المعارف الحديثة، وتمكّن المتعاملين معها من تجاوز العزلة والتغرب والانقطاع، إلى تنفيذ حوار فعّال مع تحديات العصر وهمومه المعرفية والثقافية، والإعانة ـ بالتالي ـ على بلورة وصياغة المشروع الحضاري المرتجى.

وفي السياق نفسه يُستحسن أن نكون حذرين من الانسياق وراء التقسيمات التقليدية لأجدادنا أنفسهم، وهم يتحدثون عن علوم"نقلية"وأخرى"عقلية"، وكأن هناك جداراً فاصلاً بين العلمين.

ويتساءل المرء: ألم يدخل الإسلام لكي يصوغ العلوم العقلية، ويتوغل في جزئياتها ومسالكها برؤيته المتميزة وتحليله الخاص؟ ويتساءل ـ كذلك ـ: ألم تكن العلوم النقلية نفسها عقلية بمعنى من المعاني، أي بكونها استجابة ناجحة متفردة لمطالب العقل البشري في هذا الفرع المعرفي أو ذاك؟

إننا بحاجة إلى التريث قليلاً ونحن نتعامل مع التقسيمات والمصطلحات، وأن نتجاوز الكثير منها ـ إذا اقتضى الأمر ـ لكي ننحت ونصوغ مفرداتنا المنسجمة ورؤيتنا العقدية المتميزة.

إن الحلقات الإسلامية لا تزال تعاني من ثنائية يمكن لمؤسسات علوم الشريعة أن تعين على تجاوزها: ففي أحد الطرفين يقف إسلاميون متمرسون بالمعرفة المعاصرة، ولا يكادون يعرفون شيئاً عن علوم الشريعة، وفي الطرف الآخر يقف إسلاميون متمرسون بعلوم الشريعة، ولكنهم لا يكادون يعرفون شيئاً عن العلوم والمعارف الحديثة.

والخندق عميق، والهوة محزنة ولا ريب، والنتائج السيئة لهذا الانفصال، أو الثنائية، تنسحب على مساحات واسعة من الجهد الإسلامي المعاصر الذي يلتحم بالحياة الثقافية والمعرفية دونما عمق فقهي، أو يمضي بالايغال في هذا العمق حيناً آخر، بعيداً عن مجرى الصراع الفكري المتشكل قبالته صباح مساء.

ولقد أوقعت هذه الثنائية، الطرفين، في"مطبات"عديدة، قد يقود تراكمها إلى تشكل إرث من الأخطاء التي يصعب تداركها ما لم نسارع بإيجاد الحل المناسب .. بالتحقق بتقارب بين الطرفين من خلال بذل جهود استثنائية والاتفاق على منهج أكثر توازناً يضع في حساباته قطبي المسالة .. حيث يصير التعامل الأكاديمي مع علوم الشريعة فرصة طيبة لتحقيق الوفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت