فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 27364

إلا أن هذا المشروع الاستعماري الفرنسي أصيب بنكسة أفقدته صوابه وذلك بعد اللقاء التاريخي بين السلطان محمد الخامس وبين الحركة الوطنية الناشئة، واتفاق الطرفين على النضال المشترك ضد الحماية الفرنسية ومخططاتها العدوانية على الشعب والوطن، والدين والهوية، فكان النصر والاستقلال سنة 1956م.

وعلى الرغم من اندحار المشروع الصليبي التنصيري المرتبط بالاستعمار فإنه ظل بعد الحصول على الاستقلال ولحد الساعة يرفض إعلان هزيمته واللحاق بأوليائه ومؤسسيه في فرنسا، بل ويحاول دائمًا التماسك، وتجديد الأساليب، وتطوير الوسائل، والتمويه على الأهداف، والتسلل إلى الساحة عبر الثقافة والسياسة، والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، محافظًا على قنوات الدعم الأجنبي ماديًا ومعنويًا ولوجيستيكيًا، مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاستخبارات الأجنبية، مستغلًا تناقض المصالح الحزبية، وتضارب التوجهات الفكرية والعقدية، يمارس الابتزاز على كل ساحة وبكل سبيل، مما لا تتسع لشرحه هذه الدراسة الموجزة.

ولئن كان النظام المغربي يعتقد أنه يستطيع احتواء هذا التيار بمثل الأساليب الممارسة حاليًا فهو مخطئ، لأن الفرنسيين والكنيسة الصليبية لن يترددوا في الإطاحة به، وإحلال بديلهم الاستعماري العرقي مكانه، إذا ما تأكدوا من قدرة بديلهم العرقي هذا على السيطرة والصمود، لأنه هو الوحيد الذي لا يتورع عن إعلان الردة الرسمية عن الإسلام، وتنفيذ كل ما تريده فرنسا والكنيسة، والتنكر لكل القيم.

هل المغاربة عنصران متباينان؟

إن هذا الزعم الاستعماري لم يقصد به في الحقيقة إلا خدمة أهداف فرنسا في المنطقة المغاربية عامة، وإلا فإن هذه الدعوى العرقية مردودة على أصحابها، يفندها واقع الحضارة الإنسانية المعاصرة، كما يفندها العلم والتاريخ، والأصول اللغوية والاجتماعية، والنضال الجهادي للمنطقة منذ أربعة عشر قرنًا.

ويمكن أن نوجز بعض الردود على هذه الدعاوى المتهافتة فيما يلي:

من حيث واقع التطور الحضاري الإنساني المعاصر تعد الدعاوى العرقية، وشعارات التمايز بالدم واللون واللسان متخلفة عن ركب التطور والرقي، وعالم مساواة الإنسان لأخيه الإنسان، ودول أورويا وأمريكا التي يحاولون الارتباط بها واتخاذها قدوة وهي قبلتهم تعطي جنسيتها لمن ولد على أرضها، ولمن تزوج امرأة منها، ولمن تزوجت رجلًا فيها، ولمن أقام مدة معينة على أرضها، وتجرم قوانينها تجريمًا شديدًا كل تفرقة عنصرية باللون أو الدين، أو العرق أو اللسان، بل إن فرنسا نفسها مكونة في أصلها من أعراق مختلفة انضاف إليها المهاجرون من كل بقاع العالم، فلم تظهر فيها أي دعوى عرقية قط، وأمريكا وهي أكبر وأقوى دولة في العالم فيها من الأعراق والألوان، واللهجات واللغات؛ ما لا يكاد يعد، ومع ذلك يعتز أهلها بمواطنتهم ولغتهم الرسمية التي هي الإنجليزية، ووحدتهم القومية، وعلمهم الواحد، ويجرمون كل دعوة عرقية، وكل جنوح من أحدهم خارج ثوابت الدولة يعتبر خيانة وتخريبًا وتخلفًا.

ومن حيث علم الحفريات البشرية تثبت الدراسات والمكتشفات خلال القرن العشرين أن"إنسان النياندرتال L homme De Neande r thal"وجد على امتداد المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج لاسيما في كل من فلسطين والمغرب، والجزائر وليبيا، والصحراء الكبرى، ففي أحد أودية الصحراء الجافة بوادي تليسي سنة 1927م عثر على هيكل هذا الإنسان، كما عثر عليه أيضًا في حفرية أخرى بضاحية من ضواحي الرباط، وحفرية جنوبي رأس سبارتل بمغارات هرقل بمدينة طنجة، ورابعة في كهف التابون بسفوح جبل الكرمل بفلسطين، وخامسة في الجبل الأخضر في برقة سنة1955م، وهذه الاكتشافات البشرية تكتسب قيمتها العلمية الكبيرة من كونها أثبتت بالدليل العلمي تشابه هذه الهياكل المكتشفة فيما بينها، مما يعد أدلة مادية على وحدة سكان المنطقة العربية في أنسابهم وأصولهم منذ عصور سحيقة موغلة في القدم ترجع إلى أكثر من خمسين ألف سنة.

ومن حيث الدراسات التاريخية القديمة بما فيها المراجع العربية واليونانية وغيرها فإنها تؤكد انتساب البربر إلى الجنس العربي، والتقاءهم معه في الأصول، وفي هذا يقول صاحب كتاب"تاج العروس من جواهر القاموس36":"إنهم - أي البربر - بقية من نسل يوشع بن نون من العماليق الحميرية، وهم رهط السميدع، وأكثر قبائلهم بالمغرب في الجبال من سوس وغيرها متفرقة في أطرافها، وهم زناتة، وهوارة، وصنهاجة، وكتامة، ولواتة، ومديونة، وشبانة، وكانوا كلهم بفلسطين مع جالوت فلما قتل تفرقوا)."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت