ولم يقف الدكتور طه حسين إلى هذا الحد من استحقار الغير بل تدرج به الأمر حتى وصل إلى أبعد من مرجليوث لقد وصل هذه المرة إلى السطو على كتاب محمود محمد شاكر ( المتنبي ) والذي كتبه في عدد خاص من مجلة المقتطف بمناسبة مرور ألف عام على رحيل المتنبي حيث نشر في عام 1936 م وبعد أقل من عام نشر الدكتور طه حسين كتابه [ مع المتنبي ] الذي يعده الأستاذ محمود محمد شاكر حاشية على ثلاثة كتب هي كتاب الأستاذ محمود محمد شاكر المتنبي وكتاب للدكتور عبدالوهاب عزام وكتاب للمستشرق بلاشير .
ويحدثنا الأستاذ محمود محمد شاكر عن هذه الواقعة بلسانه ( في سنة 1935 م كان الدكتور طه حسين في قمة مجده الذي حازه بالضجة التي ثارت حول كتابه في الشعر الجاهلي وأنه كان يروح ويغدو على ذراها يملآه الزهو والخيلاء ويميد به العجب !! [ في هذا العام كتب الدكتور طه حسين مقالات عن جيل محمود محمد شاكر ويصفه بأنه جيل مفرغ من ثقافة أمته]
ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر .
أنني حين قرأت شهادة الدكتور طه حسين على جيلنا المفرغ من ثقافة أمته في سنة 1935 م توهمت بحسن الضن أنه سوف يبدأ عهداً جديداً في تفكيره وأنه سيفارق السنة التي سنها هو والأساتذة الكبار أعني سنة السطو وسنة التلخيص ولما فرغت من قراءة آخر مقالاته سنة 1935 م وجدت أنه يحاول أن يسلك طريق تذوق الشعر . وجاء أسبوع الاحتفال بمرور ألف سنة على وفاة أبي الطيب المتنبي بدار الجمعية الجغرافية سنة 1936 م .
وقبل ذالك بأيام كان قارئ الدكتور طه حسين المصاحب له قد لقيني في الطريق فأخبرني أن صاحبه يعني طه حسين يرى أن المتنبي [ لقيط لغية ] فاستكبرت ذالك واستنكرته مستعيذاً بالله من سوء ما أسمع.
كنت لم ألق الدكتور طه حسين منذ فارقت الجامعة سنة 1928 م حتى كان أسبوع هذا الاحتفال ، وفي أول يوم من الأسبوع بدأ الدكتور محاضرته واستفتحها قائلاً:
( لقد شك بعض الناس في نسب المتنبي ، وأنا أو افقه على هذا الشك )
يقول الأستاذ محمود شاكر: فكرت أقوم من فوري لأرد عليه ولأعلمه أني حاضر غير غائب . فقد غاظني زهوه وخيلائه وعنجهيته وهو يرتل ألفاظه ترتيلاً ليجمع أنظار الناس إلى مخرج كلماته كعادته في الزهو . وكان في جواري أحد الأساتذة المقربين إليه فأحس بما هممت به فأمسكني وقال:
لا تعجل !
فقلت له:
إذاً فأبلغ طه حسين أن موافقته أو مخالفته لا تعني عندي قرشاً ماسحاً تتلافظه الأيدي في الأسواق لأنه لفاظة لا تصلح للتداول
وانتهت المحاضرة .
وعند انصرافي رآني أستاذنا عبدالحميد العبادي رحمه الله فأقبل وأخذ بيدي وخرجنا من القاعة وإذا نحن فجأة خلف الباب خلف الدكتور طه حسين حين انصرافه .
فعزم علي أستاذنا العبادي أن أسلم على الدكتور فا ستعلن غضبي وأبيت ، ولكن لم أكد حتى سمعته يقول للدكتور طه حسين
-هذا محمود شاكر يا دكتور
-فوقفت والتفت التفاته يسيره ومددت يدي فسلمت وغلبني الحياء والخجل مما لقيني به من فرط البشاشة و الحفاوة
ثم أخبرني أنه قرأ كتابي كله وجاء بثناء لم أكن أتوقعه ، وطال وأفاض وغمرني ثناؤه حتى ساخت بي الأرض فمات لساني في فمي فلم أستطع أن أنبس بحرف حتى فرغ وهو آخذ بيدي لا يرسلها إلى أن ركب
-وافترقنا
لم أرتح إلى هذه الحفاوة المفرطة ولا إلى حديثه المسهب الذي يرشح ثناء وإطراء ورابني من أمره لأني أعرفه
فلما لقيت الشيخ مصطفى عبدالرزاق في داره بعد أيام وكان قد ذكرني بكلمته التي ألقاها في أسبوع المتنبي بثثت الشيخ ما في نفسي من الارتياب في أمر الدكتور وأني مقبلاً على تجرع أحد فعلاته !
فاستنكر الشيخ حديثي استنكاراً شديداً وغضب مزوراً عن كلامي وقال:
لا تكن سيء الضن بأستاذك وأمسك عليك لسانك وأوهامك !
وكل ما سمعه الشيخ مني سرعان ما تحقق على الوجه الذي فصلته تفصيلاً صريحاً وكان ما كان ورجعت حليمة إلى عادتها القديمة كما يقال في المثل بل هي لم تفارق عادتها قط ولا تملك أن تفارقها .
ففي يناير سنة 1937 م أي بعد أقل من عام منذ ظهور كتابي كان ما توقعته كالذي حدثت به الشيخ حيث نشرت لجنة التأليف والترجمة والنشر كتاب الدكتور طه حسين مع المتنبي في جزءان كبيران وهذا الكتاب هو حاشية كبرى على ثلاثة كتب أولها كتابي ثم كتاب الأستاذ عبدالوهاب عزام ثم كتاب بلاشير عن المتنبي !!!
ونحن هنا لا نفخر بأننا أو من كتب تاريخ المتنبي على هذا الوضع الذي تراه في كتابنا ولكنا نقر ذالك إقراراً للحق وبياناً للذي فعله الدكتور طه حسين أخذ آراءنا فأفسدها ووضعها في غير موضعها واستغلها بغير حقها وأخرج كتابه على غرار كتابنا
غير متهيب و لا متورع من مذمة أو أثم
أغراه في ذالك ما يعلم من عظيم شهرته وبعيد صيته وما يعلم مما نحن فيه من الخفاء والصمت وقلة الاكتراث بالدعاية الملفقة لأنفسنا ) أنتهى النص
وللحديث بقية نبدأها من ردت فعل الأستاذ محمود محمد شاكر على سرقة كتابه ونكمل كشف الوجه الآخر لعميد الأدب العربي
وفي ردت فعل الأستاذ محمود محمد شاكر على سرقة طه حسين لكتابه كتب اثنتي عشر مقالة نشرها في صحيفة البلاغ