ثم يضيف الأستاذ محمود محمد شاكر( كان ما كان ، ودخلنا الجامعة وبدأ الدكتور طه حسين يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب [ في الشعر الجاهلي ] ومحاضرة بعد محاضرة وفي كل مرة يرتد ألي رجع هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يم النسيان وثارت نفسي وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور طه حسين ، وعندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي كما وصفته آنفاً والذي استخرجته بالتذوق وبالمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي . وأخذني ما خذني من الغيظ وما هو أكبر من الغيظ ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ ولكني بقيت زمناً لا أستطيع أن أتكلم .
والسبب في ذالك [ الأدب ] الذي كان يؤدب به الآباء الأبناء ، فكان التلميذ يهاب أن يكلم أستاذه ) انتهى النص
وهنا يصف الأستاذ محمود محمد شاكر اليوم الذي واجه فيه أستاذه الدكتور طه حسين .
(ضللت أتجرع الغيظ بحتاً ، وأنا أصغي إلى الدكتور طه حسين في محاضراته ولكني لا أستطيع أن أتكلم ... لا أستطيع أن أناظره كفاحاً وجهاً لوجه وكل ما أقوله فإنما أقوله في غيبته لا في مشهده ، تتابعت المحاضرات وكل يوم يزداد وضوحاً هذا السطو العريان على مقالة مرجليوث ويزداد في نفسي وضوح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي وبين هذه الطريق التي يسلكها الدكتور طه حسين في تزييف هذا الشعر .
وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي فبعد المحاضرة طلبت من الدكتور طه حسين أن يأذن لي في الحديث فأذن لي مبتهجاً أو هكذا ظننت وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي أسماه منهجاً وعن تطبيقه لهذا المنهج في محاضراته وعن هذا الشك الذي أصطنعه ما هو ؟ وكيف هو ؟ وبدأت أدلل أن الذي يقوله عن المنهج وعن الشك غامض وأنه مخالف لما يقوله ديكارت وأن تطبيقه منهجه هذا قائم على التسليم تسليماً لم يدخله الشك بروايات في الكتب هي بذاتها محفوفة بالشك . وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية بما ذكرت ولما كدت أفرغ من كلامي انتهرني الدكتور طه وقام وقمنا لنخرج وانصرف عني كل زملائي الذين استنكروا غضاباً ما واجهت به الدكتور طه ولم يبقى معي إلا محمود محمد الخضيري .
وبعد قليل أرسل الدكتور يناديني فدخلت عليه فجعل يعاتبني يقسوا حيناً ويرفق أحياناً وأنا صامت لا أستطيع أن أرد . لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضرته التي نسمعها كلها مسلوخة من مقالة مرجليوث لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير ولكني كنت أعلم أنه يعلم من خلال ما أسمع من حديثه ، ومن صوته ، ومن كلماته ، ومن حركاته أيضاً !
وكتمان هذه الحقيقة في نفسي يزيدني عجزاً عن الرد عن الاعتذار إليه أيضاً وهو ما كان يرمي إليه ، ولم أول صامتاً مطرقاً حتى وجدت نفسي كأني أبكي من ذل العجز فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبالي بشي .
ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحياناً بغير هيبة ، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات فيأخذني يميناً وشمالاً في المحاورة وأنا ملتزم بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث صارفاً همي كله إلى موضوع المنهج والشك وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والإسلامي أو ألتماس الشبه لتقرير أنه باطل النسبة وأنه موضوع في الإسلام ومن خلال روايات في الكتب هي ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير ، ولكن من يومئذ أيضاً لم أكف عن إذاعة الحقيقة التي اكتمها في حديثي مع الدكتور طه ، وهي أنه سطا سطواً كريهاً على مقالة المستشرق الأعجمي فكان بلا شك يبلغه ما أذيعه بين زملائي .
وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور طه زماناً إلى أن جاء الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالباً للعزلة حتى أستبين لنفسي وجه الحق في قضية الشعر الجاهلي بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب .
ثم زاد الأمر عندي بشاعة فظعت بها حين نشر كتابه في الأدب الجاهلي [ حذف منه فصل ، وأضيف إليه فصول وغير عنوانه بعض التغيير ]
كان أبشع ما في الكتاب الفصل الأول الذي زاده بعنوان [ الكتاب الأول: الأدب وتاريخه ] لأنه جاء تسويغاً لهذا السطو وزيادة في هذا الادعاء بأنه قد أمتلك ما سطا عليه امتلاكاً لا ريبة فيه ! واستعلاء أيضاً ودلالة صريحة على أنه لا يبالي أقل مبالاة بكل ما سمعه من أنه سطا على مقالة مرجليوث بين أسوار الجامعة ولا بالكتب التي ألفت وطبعة في نقد كتابه والتي كشفت هذا السطو بالدليل والبرهان مع أن الأمر لا يحتاج إلى برهان أو دليل وجميعها كتب يقرأها الناس كيف يكون هذا ؟ !!
وبأي جراءة يستطيع طه أن يلقى الناس ؟ !
أي احتقار هذا للناس وأي استهزاء بهم وبقولهم هو أبشع من هذا ؟ !! لا أدري ) انتهى النص