وزعم أن سنة الرسول لا يصح الاعتماد عليها كمصدر من مصادر التشريع ، بل يجب اعتبارها فصلاً من فصول حركة التطور الصاعد في ثورة اجتماعية ، يجب أن تتجدد أحكامها وشرائعها وأنظمتها ...
فالمجتهدون المعاصرون يجب عليهم - حسب زعمه - أن لا يلتزموا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم- ، وسمى عمل فقهاء المسلمين تحنيطًا للتشريع ، لأنهم لم يطوروا في الأحكام حسب الظروف الموضوعية ، مما أدى إلى تحنيط الأحكام وتجميد حركة التاريخ وإخماد الروح الثورية لدى العرب والمسلمين (34 ) .
* فالكاتب يقرر أن السنة النبوية ليست وحيًا من الله سبحانه وتعالى إلى نبيه ورسوله ، بموجب التعريف الخاطئ لفقهاء المسلمين للسنة: « كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو أمر أو نهى أو إقرار » .
ويقول: إن ما فعله النبي في القرن السابع في شبه جزيرة العرب ، هو الاحتمال الأول لتفاعل الإسلام مع مرحلة تاريخية معينة ، وهذا التفاعل ليس هو الوحيد وليس الأخير (35 ) .
* والحقيقة أن الرسول ما هو إلا مبلغ عن الوحي قال تعالى: ( إنما أنذركم بالوحي ) [ الأنبياء: 45 ] ، ( وما ينطق عن الهوى( ) [ النجم: 3 - 4 ] ، وبذلك تسقط استدلالات الكاتب في أن الرسول مجتهد فقط وأن السنة النبوية هي اجتهاد للرسول ، وتفاعل مرحلي بين الرسول وبين واقع الحياة في الجزيرة العربية وقت الرسالة ونزول الوحي .
وهذه فكرة من أخبث الأفكار المدمرة للعقيدة الإسلامية وللتشريع الإسلامي ، وهى وليدة النظرية التاريخية ( الماركسية ) ، التي عششت في ذهن الكاتب وسيطرت على دماغه (36 ) .
** وغاية الكاتب الأخيرة من كل هذه التحريفات الباطلة ، هو إلغاء دور الرسول ودور رسالته في حياتنا المعاصرة ، فقد جعل المطالبة بتطبيق الشريعة ، والسير بموجب تعاليم القرآن الكريم ، من الأخطاء الشائعة عند فقهاء المسلمين ، فقال:
« إني أنوه هنا بالخطأين الشائعين جدًا من قبل المسلمين وهما:
( أ ) المناداة بأن دستور الدولة القرآن .
(ب) خطأ المناداة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية » (37 ) .
* وغني عن التعريف هنا ، بأن رفض تحكيم الشريعة ، وإلغاء دور القرآن في حياة المسلمين ، كفر صريح ، قال تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون ) [ المائدة: 44 ] ، وقال جل وعلا: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا( ) [ النساء: 65 ] .
ضلالات الكاتب العقدية
الحقيقة أن كتاب المهندس شحرور ، جاء مليئًا بالضلالات العقدية ، من أوله إلى آخره ، وقد تحدثنا عن بعض تلك الضلالات في الفقرات السابقة ، ولكننا نريد هنا أن نلقى ضوءًا على تعرضه لبعض قضايًا العقيدة الإسلامية ، وتناوله إياها بالتحريف والتعطيل .
* فمن تحريفاته في مفهوم الشرك والتوحيد قوله:
« الشرك هو الثبات في هذا الكون المتحرك ، والوقوف ضد التطور وهذا شرك الربوبية ...
أما عدم تطوير التشريع ، وتثبيت مذهب أو مذاهب فقهية معينة ، فهذا هو شرك الألوهية .
فسكونية الفكر والفقه والتفسير ، هي من أوائل مظاهر الشرك الخفي عند العرب ، فالتخلف شرك ، والتقدم توحيد » (38) .
* فهو بذلك يحاول تسمية فقهاء المسلمين بالمشركين ، لالتزامهم بدلالات النصوص من الكتاب والسنة .
** ومن ضلالاته: تعطيله لأسماء الله تعالى ( 39) :
فقد ابتدأ شحرور بحثه حول علم الله تعالى بالتساؤل .
« هل علم الله يقيني أم احتمالي ؟! » ثم أجاب عن ذلك بقوله: « نقول هو الاثنان معا » (40 ) .
* لقد جعل الكاتب أن الاختيار الإنساني الواعي سبب لعدم علم الله تعالى بكل شيء ، وأن الله لا يعلم احتمالات تصرف هذا الإنسان كلها من الأزل ، وإنما يعلمها عندما يفكر الإنسان بها أي بعد وجودها .
يلاحظ هنا: استبعاد الكاتب شمول علم الله لأعمال الإنسان ، وهذا التصرف يمثل انحرافًا خطيرًا في العقيدة ، فهو يقود إلى التكذيب بالقدر ، وتعطيل ركن من أركان الإيمان ، والكاتب لا يهاب أن يفعل ذلك عن تعمد وإصرار (41 ) .
وقد سبق إلى التكذيب بالقدر: غيلان الدمشقي ، وقتل بسبب ذلك ، كان الأوزاعي - رحمه الله - قد ناظره ، وأفتى بقتله (42) .
** ومن ضلالاته العقدية: تعطيله لصفات الله تعالى (43 ) .
وعلى رأسها « كلام الله تعالى » يقول شحرور:
« إن مفهوم كلام الله في القرآن يعني الوجود المادي » .
« فالوجود هو عين كلام الله ، وهو مخلوق غير قديم » (44 ) .
وهذا يعنى عند شحرور ، أن كلام الله مخلوق ، ويدخل كلامه هذا ضمن تعطيل صفات الله تعالى ، وهو رأي القدرية والمعتزلة .
وشحرور يأخذ برأي الغلاة من المعتزلة ، ويسير على منهجهم ويشيد بهم ، ويهاجم الفقهاء جميعًا كعادته ، فيعتبر أنه بانتصار الفقهاء على المعتزلة ، تم قصم الفكر الإسلامي العقلاني (45 ) .
والواقع أن شحرور يمثل كذلك الرأي الفلسفي في موضوع تعطيل صفات الباري عز وجل ، إذ أن الفلاسفة الماديين ، يعتبرون كلام الله هو الوجود المادي ، أو عين الموجودات (46 ) .
** ومن انحرافاته الضالة: التكذيب بالقدر (47 ) .