وهكذا يمكننا القول إن صراع الغرب مع العالم الإسلامي انتقل إلى ما يمكن أن نطلق عليه المناطق الحساسة والخطرة المتصلة بالوجود والهوية وهي عصب حياة الناس ووجودهم؛ لذا، فإن إصرار الغرب على طرح جدول أعماله الداعي للمثلية الجنسية وحق الإجهاض وحق ممارسة الجنس المسمى بالآمن للمراهقات واعتبار الفروق الجنسية بين الذكر والأنثى هي فروق اجتماعية تتصل بالدور الذي يمارسه الإنسان وليس بطبيعة الخلق التي خلق الله الناس عليها ومن ثم يمكن للذكر أن يغير دوره ونظرته، كما يمكن للأنثى أن تفعل هي الأخرى، فالفروق ليست بيولوجية ولكنها اجتماعية، كما أن جدول أعمال (أجندة) الغرب المتصل بإعادة تعريف الأسرة وإعادة تعريف الحقوق والواجبات والمسئوليات فيها - والذي يريد أن يفرضها على العالم - تم وصفها في اجتماعات الدورة الاستثنائية الأخيرة للجمعية العامة بأنها نوع من"الاستعمار الجنسي".
فالغرب الآن يسعى لفرض قيمه وهو يتبنى نظرية جديدة لا تعتبر أن الاقتصاد أو الفروق الاقتصادية هي المسببة للتفاوت الطبقي، كما كانت النظرية الشيوعية تفعل، ولكنه يعتقد أن إزالة الفروق بين الرجل والمرأة هي التي تحقق نوعاً من الأهمية الجديدة عابرة القارات وهي الوعاء أو الإطار الذي يوجد بين البشر. إنها ماسونية جنسية جديدة يسعى الغرب من خلالها للسيطرة على العالم الإسلامي وتخريب نظمه الاجتماعية والثقافية.
النتائج المرعبة:
للغرب مصالحه الضخمة في العالم الإسلامي، وهو يسعى - منذ وقت مبكر - إلى إخضاع العالم الإسلامي، وقد أيقن أنه لا يمكنه كسر هذا العالم عبر مواجهة عسكرية، خاصة بعد انتهاء الحروب الصليبية، ومن ثم ابتدع وسائل أخرى هي التي نطلق عليها الغزو الفكري. المثير الآن أن الغزو الفكري قبل انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن وسيلة يرفعها الغرب بشكل سافر وعلني، حيث كان يَعتبِر أن الصراع مع العالم الإسلامي صراع مصالح وسياسات، وليس صراعاً حول القيم والأفكار ونظم الاجتماع والثقافة.. لكنه يعتبر أن أسلوب مواجهته مع العالم الإسلامي يتم عبر صراع اجتماعي وقيمي وفكري ممتد، وأنه، لكي يحقق الغرب هيمنته الفكرية والثقافية، فإن لديه فرصة تاريخية باعتباره القوى المطلقة المتربعة على قمة النظام الكوني.. وهي الفرصة السانحة التي لا يجب أن يضيعها من خلال فرض قيمه ونظمه الاجتماعية باعتبار أن وجود نظم اجتماعية وثقافية وفكرية مختلفة في بلدان أخرى تعوق دون اكتساحه هذه البلدان.
إن العولمة لها أبعادها المختلفة على الرغم من أن التركيز على البعد الاقتصادي فيها أكثر من غيره. فللعولمة أبعادها الاجتماعية والثقافية والفكرية وهي ساحة صراع كبيرة وهائلة بحيث لا يمكن تحقيق الانتصار النهائي للغرب في هذه المعركة، إلا عبر تحطيمه للنظم الاجتماعية والثقافية والفكرية في البلدان الأخرى وخاصة بلدان العالم الإسلامي. من هنا، فإن الإجابة على التساؤل: لماذا يهتم الغرب بالتدخل في شئون بلدان العالم الإسلامي الخاصة، في قضية مثل الختان وجرائم الشرف أو إعادة ترتيب أوضاع العلاقات الاجتماعية. إن الغرب يعتقد أن العالم الإسلامي - على وجه الخصوص - لا يزال يملك مقومات قوة حقيقية تتمثل في النظم التي صاغت تاريخه وهويته ووجوده، وإنه - لكي يحول هذا العالم إلى سوق كبيرة مستهلِكة لمنتجاته - لا بد له من تحطيم هذه النظم المتصلة بوجوده وهويته وتاريخه وثقافته، لذا فإن المعركة الجديدة بين الغرب والعالم الإسلامي مختلفة عن المعارك التي سبقتها؛ لأنها متصلة بالهوية والوجود والحضارة.. ولهذا فهي معركة البقاء والوجود.
(( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ). وصدق القوي العزيز: (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ).
جمادى الأولى 1421 - يوليو 2000