وجاء في مقدمة"مناطق الصراع"إعادة الهندسة الاجتماعية للعلاقة بين الرجل والمرأة. وإعادة تعريف الأسرة"والحقوق والواجبات داخلها"، أي التدخل في الشئون الداخلية للمجتمعات وفرض نمط اجتماعي من العلاقات والقيم عليها بالقوة. ويمثل مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية - الذي عقد في سبتمبر 1994، ثم مؤتمر المرأة في بكين الذي عقد عام 1995 بعنوان"المساواة والتنمية والسلم"- يمثل آلية دولية ملزمة للدول الموقعة على وثائق المؤتمرين بضمان فرض النمط الاجتماعي الغربي على مصر والعالم الإسلامي. وكنوع من التزام القاهرة بمقررات بكين والقاهرة قامت بتغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر، حيث أعطت المرأة المصرية حق الخلع من زوجها بدون رضائه وموافقته، كما كان مقرراً إعطاء المرأة حق السفر بدون إذن زوجها، لكنه تم إحباط هذه المادة.
وكان تغير قانون الأحوال الشخصية جزءاً من الاستجابة لجدول عمل (أجندة) دولي يفرض على الأنظمة عدم التمييز ضد المرأة ومساواتها بالرجل ومنحها الحرية الشخصية في العلاقة مع الأصدقاء ومنحها الحق الإنساني في التصرف بجسدها باعتباره حقاً ذاتياً لها، كما شهدت القاهرة قبل انصرام القرن الماضي مؤتمراً بعنوان"مائة عام على تحرير المرأة". هذا المؤتمر أعده المجلس الأعلى للثقافة (وهو أعلى هيئة ثقافية في وزارة الثقافة) وفيه تجمع شذاذ الآفاق ممن يطلقون على أنفسهم"دعاة الاتجاه النسوي"، وطالبن بحرية المرأة المطلقة في السيطرة على جسدها، كما طالبن بالتمرد على الرجل حتى فيما يتصل بالعلاقة الجنسية به وبناء علاقة جنسية إما مع الذات أو مع المثيل.. ودعاة هذا الاتجاه يطلقن على أنفسهن المبدعات.
لقد كن أكثر تطرفاً في مطالبتهن التسوية مع الاتجاه النسوي في الغرب. ويتم هذا داخل مؤسسة في الدولة.. كان هذا المؤتمر - المجرم - قبل معركة قانون الأحوال الشخصية. ومع مطلع القرن الجديد فُوجئ الناس في مصر بصدور القرار الجمهوري بإنشاء مجلس قومي للمرأة يتبع رئيس الجمهورية وتكون له الشخصية الاعتبارية ويكون مقره القاهرة، ويتكون المجلس من ثلاثين عضواً من الشخصيات العامة وذوي الخبرة في شئون المرأة والنشاط الاجتماعي، ومدة عضويته ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وللمجلس اختصاصات عديدة، أخطرها وأهمها: اقتراح السياسة العامة للمجتمع ومؤسساته الدستورية في مجال تنمية شئون المرأة وتمكينها من أداء دورها الاقتصادي والاجتماعي وإدماج جهودها في برامج التنمية الشاملة، ثم إبداء الرأي في مشروعات القوانين والقرارات المتعلقة بالمرأة قبل عرضها على السلطة المختصة والتوصية باقتراح مشروعات القوانين والقرارات، التي تلزم النهوض بأوضاع المرأة، ثم إبداء الرأي في جميع الاتفاقيات المتعلقة بالمرأة وتمثيل المرأة في المحافل والمنظمات الدولية المعنية بشئون المرأة، وللمجلس لجان دائمة لممارسة اختصاصاته، منها: لجنة الصحة والإسكان ولجنة المنظمات غير الحكومية واللجنة التشريعية.
وفي أول جلسة للمجلس القومي للمرأة تم اختيار"سوزان مبارك"رئيساً للمجلس، بينما تم اختيار مرفت التلاوي أميناً عاماً للمجلس، وحضر"مبارك"جانباً كبيراً من الجلسة الأولى لهذا المجلس، وقالت سوزان مبارك:"إننا سنكون على قدر المسئولية؛ حتى يكون هذا المجلس نقطة تحول حقيقي في تاريخ المرأة المصرية وتطور المجتمع". ويتساءل المرء: إلى أين يريد هؤلاء النسويون الاتجاه بالمرأة؟ ألا يكفيهم ما أحدثوه من تدمير في حياتها حتى الآن ويطمعون في إجراء المزيد.. وفي الواقع، فقد كان إنشاء المجلس القومي للمرأة جزءاً من الاستعداد المصري على المستوى الرسمي لقبول ما يفرضه جدول العمل الدولي الجديد فيما يتصل بترتيب أوضاع المرأة في المجتمع المصري، والذي يؤكد ذلك هو عقد المجلس القومي للمرأة قبل أعمال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان"المرأة عام 2000"المساواة بين الجنسين والتنمية والسلم في القرن الحادي والعشرين، حيث تمت الموافقة على إصدار تقرير سنوي عن وضع المرأة في مصر على غرار تقرير الأمم المتحدة، حيث سيكون هذا التقرير بمثابة الصك الذي تقدمه مصر للأمم المتحدة والعالم الغربي لتأكيد الرضوخ للمقررات الدولية بشأن أوضاع المرأة، وهو يعني حقيقة أن الكارثة الكبرى بشأن أوضاع المرأة المصرية سوف تأتي في السنوات القادمة، حيث سيكون هذا المجلس هو غرفة العمليات التي تتلقى ما يطلب من مصر لتحويله إلى واقع قانوني واجتماعي.