فهرس الكتاب

الصفحة 16624 من 27364

وهذا قليل من كثير من المواقف التي تدل على ديمقراطية أصحاب الديمقراطية وعلى الشكل الديمقراطي الذي غرسوا نبته في بلادنا! هذا غير تعطيل الصحف والمجالس وفضها والتدخل في انتخاباتها بشكل مباشر وغير مباشر. مما جعل الديمقراطية شكلاً من غير مضمون إن وجدت ومتى وجدت.

لعب التشتت الفكري دوراً كبيراً في عجز الديمقراطية في البلاد العربية، ففي أوروبا هناك حزبان -في الغالب مثلماً هو الحال في أمريكا وإنكلترا- يتنافسان على السلطة، ينطلقان من عقيدة واحدة في الأساس ولذلك لا تختلف سياسة أحدهما عن الآخر في حقيقة أمرها، وكل خلافاتهما لا يكون إلا ظاهرياً وبحسب ما تتطلبه لعبة الكراسي التي يلعبونها باسم الديمقراطية! فكل من هو خارج الحكم يعارض من فيه بالحق وبالباطل ، وما أن يصل هو نفسه إلى الحكم حتى يؤيد كل ما قام به سابقه ويزيد عنه في ذات الاتجاه، مما جعل الأفغاني مثلاً يهاجم حزب الأحرار الذي كان يعارض المحافظين ويدعوهم إلى تحرير البلاد المستعمرة إذ قال:"صاروا على الأمم أشد من الحزب المحافظ، وزادوا في التحريج والتضييق وأحكموا خلق العبودية وشددوا ربط الرقبة وضيقوا المجال على النفوس التي تهوى الحرية وتميل إليها... بعد أن نادوا بأعلى صوتهم بفك رقاب الأمم من العبودية وكأنهم عن انعزالهم ما كانوا يحامون عن حرية الأمم، إلا لأن يأخذوا زمام الحكومة بأيديهم فجعلوا المحاماة عن الحق آلة للوصول إلى باطلهم". وحتى في حالة وجود أحزاب أخرى فهي صغيرة وأضعف من أن تكون مؤثرة بجانب هذين الحزبين ؛ مما يجعلها تأتلف مع أحدهما أو تتلاشى من نفسها من غير أن تمثل لهما منافسة لها خطرها عليهما أو على دولهما الصناعية الكبيرة ، التي كل ما عداها أصغر وأضعف من أن يستطيع التأثير في أحزابها وديمقراطيتها!

بينما في بلادنا العربية فالأحزاب ذات الانتماءات المختلفة لا حصر لها وكل منها يريد التسلط في الحكم وأصغر وأضعف حزب يمكن أن يصبح الأقوى والأكثر تأثيراً في وقت الحاجة بما يتلقاه من دعم أصحاب المصالح من الأجانب، فإن كانت الديمقراطية في الدول التي ابتدعتها لعبة يلعبها أبناء الأمة فيما بين بعضهم البعض أو تمثيلية المخرجين والممثلين فيها من أبناء البلاد ؛ فإنها في البلاد الأخرى وخاصة في الدول النامية تصبح لعبة يلعبها الأجانب ، ودور أبناء الأمة فيها لا يتعدى دور حجر الشطرنج، أو تمثيلية يخرجها الأجانب بممثلين من أبناء الأمة. وقد حاولت الدول الأوروبية في أول الأمر حصر أمر الديمقراطية في البلاد التابعة لها، بحزبين أو أكثر لهما ذات العقيدة العلمانية المستوردة منها ويعملان بتوجيهاتها ليتناوبا الأدوار كما هو حال الديمقراطية في موطنها ، ولكن لم يكن ذلك ممكنا لعدة أسباب منها ما يلي: -

أ- أن العقيدة الإسلامية السائدة في البلاد والمعارضة للعلمانية ظلت حية ولم تستطع الضربات التي وجهوها إليها أن تنال من حيويتها بما يكفي للقضاء عليها، بل ظلت تشكل اتجاها مخالفاً تماماً للاتجاه العلماني التابع لهم.

ب- إن التنافس الشديد بين الدول الأوروبية وخاصة بين فرنسا وبريطانيا على السيطرة على البلاد العربية وإخضاعها لتبعيتها جعلت هذه الأحزاب العلمانية ذات العقيدة الواحدة والتي تنطلق من فلسفة واحدة تنقسم بحسب انتماءاتها لهذه أو تلك من الدول المتنافسة ؛كما حدث في حالة الأفغاني وخروجه من المحفل الماسوني البريطاني وانضمامه إلى المحفل الفرنسي، مع أن الماسونية كعقيدة هي ذاتها! مما زاد من تشتت الأحزاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت