فهرس الكتاب

الصفحة 16623 من 27364

وكان سعد زغلول لدكتاتوريته وغروره يعتبر نفسه الأمة كلها إذ قال في رده على خصومه:"إن من يتحداه يتحدى المصلحة المصرية القومية"وقال:"إن إحراجي هو إحراج الأمة"، وعمل دائماً على شل حركة مجلس النواب بما يفتعله من خلافات مع الأعضاء، وهكذا كانت سيرة معظم الحكام والدعاة في تعاملهم مع الديمقراطية مما سبب عجزها وفشلها. فالزعماء العرب كما يرى مجيد خدوري كانوا غير مستعدين ذهنياً لمثل هذا النوع من التجديد الذي فرض عليهم من الدول الأوروبية التي أوجدتهم ودعمتهم حتى كانت قراراتهم بهذا الصدد تعتمد على توجيهات الدول الأوروبية التي بسطت سيطرتها على البلاد العربية...

إن الديمقراطية دخلت البلاد العربية مشوهة وكوسيلة لتكريس الاستعمار لا غير. لقد فرضت الدول الأوروبية على الدول العربية نظامها الديمقراطي، ولم تدع للعرب حرية اختيار نظامهم السياسي الذي ينسجم مع ظروفهم الخاصة بهم، وجعلت الزعماء المحليين الذين وضعتهم على رأس السلطة يتبنون مؤسساتها هذه:

المؤسسات الفرنسية في الدول الخاضعة لفرنسا والمؤسسات البريطانية في الدول الخاضعة للنفوذ البريطاني، بغض النظر عن ملاءمة هذه المؤسسات لحال الدول العربية وأوضاعها المحلية. وفوق كل ذلك لم تسمح للمؤسسات التي أوجدتها هذه أن تعمل بحرية بحيث تتمكن من تكييف نفسها للأوضاع القائمة في البلاد ؛ بل كثيراً ما كانت تفرض القيود عليها كلما لاح من هذه المؤسسات ما يناقض مصالحها، فنجد بريطانيا مثلاً في الوقت الذي تؤيد فيه سيطرة البرلمان على الحكومة ضد رغبة الملك كان قناصلتها في العراق وغيره يفضلون تعزيز سلطة الحكام وإعطاءهم حق النقض لقرارات البرلمان ، هذا غير أن النماذج التي طبقتها الدول الأوروبية من مفاهيم الديمقراطية في البلاد العربية كان مهلهلا، إذ هي فرضت على هذه البلاد ما شاءت من أنظمة ودساتير، وحتى عندما كانت تجري استفتاء على أمر ما، كانت تدبره بشكل يجعل نتيجته توافق ما كانت قد قررته مسبقاً ويحقق مصالحها، وكانت تعامل الحكام بصلف وتفرض عليهم إرادتها، ففي العراق مثلاً كان تعامل بريطانيا مع الملك -وورثته ونظام الحكم ككل- ومنذ أول إنشاء الدولة خرقاً للديمقراطية ؛ فبعد مرور 28 يوماً على تنصيب فيصل ملكاً على العراق قدم بيرس كوكس، المندوب البريطاني مسودة معاهدة مع بريطانيا تتضمن أسس الانتداب ومطالبه وأغراضه ، والتي كانت كلها لصالح بريطانيا ؛ مما جعل الحركة الوطنية - الأحزاب التي أجيزت بعد ذلك- تعارضها وتطالب من التعديلات فيها ما لا يتفق ومطامع بريطانيا، فعمد كوكس منتهزاً مرض الملك فيصل إلى اعتقال زعماء الحركة والأحزاب هذه ونفيهم إلى جزيرة هنجام، على مضيق هرمز، وعزل بعض المسؤولين في الألوية وأرسل الطائرات لتقصف العشائر المؤيدة للحركة الوطنية !!

وبعد شفاء الملك من مرضه زاره كوكس وهنأه قائلا له:"إن الحكومة البريطانية سوف لا تتحمل بعد الآن اتصاله بأية حركة وطنية ولا تتساهل في أي تأخير قد يحدث في شأن تصديق المعاهدة"وطلب منه أن يكون ملكاً دستورياً ويترك التدخل غير الضروري في شؤون الإدارة والموظفين". وذكر فيليب أيرلند أن الملك فيصل اعتذر عن أعماله السابقة بأنه إنما قام بها لعدم وجود الدستور ولأن الوزارة كانت غير متجانسة وأنه حالما يحصل على الدستور والمعاهدة سوف يقوم بتنفيذ ما يطلب منه بطيبة خاطر ، وقدم كوكس إلى الملك مسودة كتاب يصادق فيه على الإجراءات القمعية التي قام بها كوكس من نفي وسجن وقصف للقرى والمدن ويشكره عليه ،وقد فعل الملك ما أراد كوكس !! وهذا نص الكتاب:"عزيزي السيد بيرس، الآن وقد تم شفائي بحمد الله تعالى، وسمح لي أطبائي أن أستأنف أشغالي في الدولة، أرى من واجبي قبل أن أتولى هذه التبعة أن أقدم إلى فخامتكم تشكراتي القلبية، وأن أعبر عن إعجابي الشديد للسياسة الحازمة والتدابير الضرورية التي اتخذها فخامتكم بصفتكم ممثلاً لحكومة صاحب الجلالة لصيانة المصالح العامة والمحافظة على النظام والأمن أثناء مرضي المفاجئ الذي صدف وقوعه بغتة في المدة التي تنقضي عادة بين استقالة الوزارة وتأليف وزارة غيرها، وختاماً أكرر تشكراتي الخالصة لفخامتكم على مساعدتكم الثمينة ( !! )

بغداد 11 أيلول 1922 صديقكم المخلص فيصل

وبعد هذا صارت العلاقة بين الملك وكوكس علاقة ودية وعمل الملك بحسب اقتراحاته بالنسبة لتشكيل الوزارة ووافق على جميع ما طلب كوكس منه!!!

وموقف آخر يدل على تشوه الديمقراطية في بلادنا ذكره سلامة موسى في كتاب الثورات إذ قال:"كان الإنجليز في حاجة إلى تأييد الشعب لنظام الحكم لأن هدير الحرب الكبرى الثانية التي بدأت في 1939م كانت له ذبذبة تحس وإن لم تسمع في 1934م ، واحتاج الإنجليز إلى أن يربطونا بمعاهدة تكفل لهم الأمان والمعونة إذا وقعت الحرب. ولم يكن من المعقول أن يوقع المعاهدة هذه -إسماعيل صدقي وفؤاد- التركيان أو الشركسيان دون نواب الشعب! وجيء بالوفد للحكم ووقعت معاهدة 1936 ونال مصطفى النحاس رئيس الوزراء لقب سير من الإنجليز مكافأة له على هذه المعاهدة"!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت