فهرس الكتاب

الصفحة 1609 من 27364

ولما أعيت شيخ الجامع الحيلة في حل الاعتصاب الصادر ضده من طلبة جامع الزيتونة وأثر هذا الاضراب على مركزه ومركز الوزير الأكبر معه، وقوبل من الأمة بالسخط والغضب، عمد إلى استعمال كافة الوسائل لمعالجة الموقف، فلم ينجح، وكان المدرسون بالجامع الأعظم قد امتعضوا من سلوك رجال الافتاء نحو الدين والوطن فأرادوا أن يرفعوا المعرة فأجمعوا على وضع فتوى تعارض الفتوى الأولى فلما بلغ هذا الأمر شيخ الجامع اتهمهم بأنهم المثيرون للاغتصاب والمحرضون على الإضراب، فما كان من الحكومة إلا فتح بحث ضدهم في هذا الشأن ولكنهم أظهروا في هذا الأمر شجاعة كانت مضرب الأمثال لأنهم صرحوا بكل ما يعتقدونه وتعتقده الأمة في شيخ الجامع ونشروا الفتوى المعارضة بعد هذا البحث وكان لها صداها حتى أن سمو الباي قد تأثر بما جاء فيها وطالب بإلحاح إحداث مقبرة خاصة بالمتجنسين اعتماداً على الحكم بردتهم وعدم صحة قبول توبتهم ولازال هناك أخذ ورد بين سمو الباي والمقيم العام في هذا الأمر.

ولا يزال الإضراب عن الدروس مستمراً إلى اليوم وقد بارح أكثر الطلبة العاصمة إمعاناً في الإضراب وتحقيقاً لعدم العودة إلى الدروس إلا أن يعزل شيخ الجامع الذي أفتى في دين الله بغير ما أنزل الله. وقد عمد أخيراً شيخ الجامع الطاهر بن عاشور [3] إلى كتابة مكتوب فيه إعلان الثقة به وسلمه إلى أحد أذنابه يطوف به على المدرسين ويطلب إليهم التوقيع عليه فامتنعوا عن ذلك وتبرأ والد هذا الطائف من أعماله وقبحها على صفحات الصحف.

وتدور إشاعة في البلاد مفادها أن المقيم العام عازم على وضع البلاد تحت حالة الحصار وإبعاد كافة المشتغلين بالحركة الوطنية إلى خارج المملكة وقد تأيدت هذه الإشاعة بعدة أمور منها مجيء رئيس لجنة الأمور الخارجية بفرنسا م. فرنوت إلى تونس لإجراء بحث في أسباب الحوادث الأخيرة واستفيد من محادثاته أن هناك تقريراً أرسله المقيم العام في الحوادث الأخيرة ينذر فيه الحكومة بشر مستطير ويقول يجب أن تطلق يده في البلاد ليعمل تحت مسئوليته ما يريد ولكن لجنة الأمور الخارجية أبت أن تطلق يديه ما لم تتبين الموقف جيداً فأرسلت أحد أعضائها للبحث وقد استقبل هذا العضو من لدن الهيئة الرئيسية للحزب الحر وقررت له الحالة كما هي ونظرية المسلمين فيها وهو الآن يطوف أنحاء المملكة يبحث ويستعلم عن الحالة هناك.

هذه خلاصة ما وقع من الحوادث لحد ساعة كتابة هذا وفي عزم التونسيين أن لا يتركوا متجنساً يدفن في مقابرهم إلا بالقوة القاهرة وبالأمر الذي لا يستطيعون له دفعاً ولا يعلم إلا الله ماذا ينجم عن هذه السياسة الخرقاء التي تتبعها حكومة فرنسا نحو المسلمين في شمال أفريقيا.

خاتمة:

إن المسلمين في تونس قد دافعوا بما يستطيعون عن عروبتهم وإسلامهم وقد كانت نكبتهم هذه المرة على أيدي علماء الدين منهم وحاشا للدين أن يرضى بهذا الانتساب إليه. وكانت حجة فرنسا الوحيدة هي فتوى الشيوخ بتونس فتونس اليوم تستصرخ العالم العربي والعام الإسلامي وتستنجده للدفاع، وعسى أن يجد صوتها المتهدج آذاناً صاغية وقلوباً واعية من رجال الدين والسياسة ومن عامة المسلمين والله ولي المؤمنين...

[1] - رغم وحشية الاستعمار الفرنسي، فقد كانت الأحكام الصادرة بحق المعارضين لسياسة التجنيس أرحم من الأحكام التي اتخذها الحبيب بورقيبة ضد الدعاة المعارضين، وأحكام بورقيبة التي وصلت إلى حد اغتيال زملائه المعارضين الذين لجأوا إلى ديار الغرب أقل وحشية من الأحكام الوحشية التي اتخذها - ولا يزال - ابن علي

[2] - كيف كنا وكيف أصبحنا؟ نساء من عامة الناس يرفضن غسل إحدى الهالكات لأنها تجنست بجنسية المستعمر الذي يعمل لطمس الهوية الإسلامية!! ليت الخاصة اليوم يبلغون هذا المستوى.

[3] - شيخ جامع الزيتونة هو الطاهر بن عاشور صاحب المؤلفات الكثيرة ومنها تفسيره"التحرير والتنوير"، وعجيب وقوفه هذا الموقف الشاذ، ولا نرى له عذراً في ذلك، فقد كان سنداً للوزير الأكبر - رجل فرنسا - وكان وإياه في جبهة واحدة ضد الشعب وعلمائه، وضد الباي، ولم يتردد في تنفيذ كل ما طلب منه، بل كان يتخذ مبادرات لا تطلب منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت