هنالك حادثة غريبة نشرها ضابط المخابرات الصهيوني- الأمريكي"وليام سميث"الذي اشتغل إبان الحرب الباردة ضمن فرقة"المخابرات المعلوماتية"، نشر في جريدة"واشنطن بوست"قبل عامين أجزاء من كتابه"أسرار غير خاصة"عن تجنيد شباب عاطلين عن العمل من أمريكا اللاتينية، كان دورهم في غاية البساطة والخطورة عبارة عن كتابة تقرير عن الأوضاع السائدة في بلدانهم. في الفصل السادس من الكتاب ذكر"وليام سميث"أن أحد الشباب الناقمين على النظام في إحدى دول جنوب أمريكا ذكر لضابطة مخابرات كانت معه على الخط (عبر غرف الدردشة) أن ثمة إشاعات مثيرة تدور بين الناس أن سعر البنزين وبعض المواد الغذائية سوف يرتفع في الأيام القادمة. فسألته الضابطة:"وماذا يعني ذلك؟ كل يوم ترتفع الأسعار في العالم"، فرد عليها الشاب: أنت تمزحين، سيثور الناس هذه المرة ويقومون بثورة ضد النظام. كانت تلك المعلومة البسيطة والمهمة لا تعني أن الأسعار سترتفع، بل أن تسارع جهات من الخارج إلى رفعها وإلى إثارة الناس بشكل حقيقي لأجل إثارة الفوضى عبرها، وهو الشيء الذي تم تنظيمه في جمهورية جورجيا حين تم الكشف عن شبكة تنشط عبر الإنترنت قامت بحشد مجموعة من النشطاء الذين استطاعوا أن يقوموا بعمليات كثيرة ضمن (الثورة الملونة) مؤخرًا. ما يهمنا في الحقيقة هو التأكيد أن الإنترنت لم يعد نافذة على العالم فحسب، بل صار يشكل وسيلة خطرة للدخول إلى خصوصيات الآخرين وبالتالي تم استغلاله لأغراض مخابراتية عسكرية محضة، هذا شيء لا يختلف عليه أحد اليوم أساسًا..
وتضيف الدكتورة"ماري سيجال":"نحن نتساءل عمن يستعمل الإنترنت عادة؟ من الصعب الرد على السؤال لأن الذين يستعملون الإنترنت تتراوح أعمارهم بين السادسة إلى الثمانين عامًا، ولهذا يصعب تحديد أسباب الاستعمال خارج ما نسميه أساسًا بالرغبة في كسر حاجز المسافة أولًا، وبالتالي في الحوار".
لماذا نستعمل الإنترنت؟: وأكدت:"ما يثير اهتمامنا في المعهد البلجيكي لخدمات الإنترنت هو أن نركز على نقطة مهمة وهي: لماذا نستعمل الإنترنت؟ هل لتصفح البريد أم لتصفح العالم؟ في هذه النقطة يجب القول إن العالم لم يعد واسعًا طالما الإنسان الجالس في مقعده يمكنه زيارة واشنطن ونيودلهي في برهة عين، من دون أن يغادر مقعده. هذا شيء عظيم تم إنجازه، إلا أن النتائج كانت فادحة، لأن استغلال هذه الشبكة الضخمة تم تعريضه لعوامل خارجية على أساسها تحول الإنترنت إلى"سد فراغ"أو تسلية سرعان ما انقلبت إلى مأساة حين عجز الإنسان عن فعل شيء سوى الدخول إلى مواقع الدردشة التي لن يخرج منها إلا بإحساس أنه أضاع وقتًا عليه تداركه بالدخول إلى دردشة أخرى من دون أن يسأل نفسه عَمّ يجب أن يتكلم به أساسًا!"
رؤية الحرب:
لم يقتصر الإنترنت على مجرد مواقع الشات والتحرشات الغريبة التي يعتقد كل طرف أنه يحقق من خلالها حريته الشخصية أو ما صار يصطلح عليه"ديمقراطية"الفرد في الجماعة، وهو المصطلح الذي يعني أن الفرد في النهاية يؤسس بداية تكوين المجموعة، وهو في الحقيقة المعنى التروتسكي القديم الذي أدى في النهاية إلى إحداث الخلل في العديد من التركيبات الطبيعية لماهية الحرية نفسها، وماهية الإنسان. ربما في عالم الإنترنت، صارت المؤشرات الرقمية هي الأهم، بحيث لم يعد ممكنًا الكلام إلا عن ذلك العالم الكبير الذي حولته الشبكة المعلوماتية والرقمية إلى قرية صغيرة، بيد أن عبارة القرية الصغيرة"اخترعها"الغرب لاختزال كل السياسات غير المتساوية وغير العادلة التي ترتكبها الدول القوية على الدول الضعيفة التي تشكل أكثر من نصف سكان العالم. القرية الصغيرة هي الانعكاس الثاني لعالم الإنترنت، بكل ما منحه ذلك العالم من إيجابيات حقيقية وسلبيات جمة، لأن الشبكة المفتوحة على"الديمقراطية الفردية"أغرقت شعوبًا كثيرة في الفقر والمآزق السياسية وقادت الأفراد إلى خيانة أوطانهم أيضًا.
سوق الإنترنت: